ومنيّ الأنثى بالقوة المنعقدة . بل على معنى أنّ القوة العاقدة في منيّ الذكر أقوى والمنعقدة في منيّ الأنثى أقوى وإلا لم يمكن أن يتحدا شيئا واحدا . ولم ينعقد منيّ الذكر حتى يصير جزء من الولد ، فعلى هذا إذا كان مزاج الأنثى قويا ذكوريا كما تكون أمزجة النساء الشريفة النفس ، القوية القوى ، وكان مزاج كبدها حارّا كان المنيّ المنفصل عن كليتها اليمنى أحرّ كثيرا من الذي ينفصل عن كليتها اليسرى ، فإذا اجتمعا في الرحم وكان مزاج الرحم قويا في الإمساك والجذب . قام المنفصل من الكلية اليمنى مقام الذكر في شدّة قوة العقد والمنفصل من الكلية اليسرى مقام منيّ الأنثى في قوة الانعقاد فيتخلق الولد ، هذا وخصوصا إذا كانت النفس متأيدة بروح القدس ، متقوية ، يسري أثر اتصالها به إلى الطبيعة والبدن ويغير المزاج ويمدّ جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني فيصير أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس واللّه أعلم .
وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ
دالة على البعث والنشور
وَرَحْمَةً
منا عليهم بتكميلهم به بالشرائع والحكم والمعارف وهدايتهم بسبب فعلنا ذلك فهو صورة الرحمة الإلهية المعنوية
وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا
في اللوح ، مقدرا في الأزل . وعن ابن عباس : فاطمأنت إليه بقوله :
إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
فدنا منها ، فنفخ في جيب الدرع ، أي : البدن ، وهو سبب إنزالها على ما ذكرنا كالغلمة مثلا والمعانقة التي كثيرا ما تصير سببا للإنزال .
وقيل : إن الروح المتمثل لها هو روح عيسى عليه السلام عند نزوله واتصاله بها وتعلقه بنطفتها ، والحق أنه روح القدس لأنه كان السبب الفاعلي لوجوده ، كما قال :
لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
. واتصال روح عيسى بالنطفة إنما يكون بعد حصول النطفة في الرحم واستقرارها فيه ريثما تمتزج وتتحد وتقبل مزاجا صالحا لقبول الروح
فَانْتَبَذَتْ بِهِ
أي : معه
مَكاناً قَصِيًّا
أي : بعيدا من المكان الأول الشرقي لأنها وقعت به في المكان الغربي الذي هو عالم الطبيعة والأفق الجسماني ، ولهذا قال :
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ
نخلة النفس
فَناداها مِنْ تَحْتِها
أي : ناداها جبريل من الجهة السفلية بالنسبة إلى مقامها من القلب ، أي :
من عالم الطبيعة الذي كان حزنها من جهته وهو الحمل الذي هو سبب تشوّرها وافتضاحها
أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا
أي : جدولا من غرائب العلم الطبيعي وعلم توحيد الأفعال الذي خصك اللّه بها واصطفاك كما رأيت من تولد الجنين من نطفتك وحدها .
[ 25 - 34 ]
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 25 إلى 34 ]
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ( 25 ) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ( 26 ) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ( 27 ) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ( 28 ) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 )
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ( 32 ) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ( 33 ) ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ( 34 )