تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
أخبط أوراق العلوم النافعة والحكم العملية من شجرة الروح بحركة الفكر بها على غنم القوى الحيوانية
وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
من كسب المقامات وطلب الأحوال والمواهب والتجليات . وإنما سأله تعالى لإزالة الهيبة الحاصلة له بتجلي العظمة عنه وتبديلها بالأمن ، وإنما زاد الجواب على السؤال لشدّة شغفه بالمكالمة واستدامة ذوق الاستئناس . [ 19 ، 20 ]

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 19 إلى 20 ]

قالَ أَلْقِها يا مُوسى ( 19 ) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ( 20 )
قالَ أَلْقِها يا مُوسى
أي : خلها عن ضبط العقل
فَأَلْقاها
أي : خلاها وشأنها مرسلة بعد احتظائها من أنوار تجليات صفات القهر الإلهي
فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
أي : ثعبان يتحرّك من شدّة الغضب ، وكانت نفسه عليه السلام قوية الغضب ، شديدة الحدّة ، فلما بلغ مقام تجليات الصفات كان من ضرورة الاستعداد حظه من التجلي القهري أوفر كما ذكر في ( الكهف ) ، فبدل غضبه عند فنائه في الصفات بالغضب الإلهي والقهر الرباني فصور ثعبانا يتلقف ما يجد . [ 21 ]

[ سورة طه ( 20 ) : آية 21 ]

قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى ( 21 )
قالَ خُذْها
أي : اضبطها بعقلك كما كانت
وَلا تَخَفْ
من استيلائها عليك وظهورها فيكون ذنب حالك بالتلوين ، فإن غضبك قد فنى ، فيكون متحرّكا بأمري وليس هو مستورا بنور القلب في مقام النفس حتى يظهر بعد خفائه
سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى
أي : ميتة ، فانية ، صائرة إلى رتبة القوّة النباتية التي لا شعور لها ولا داعية ، ولإماتته عليه السلام إياها في تربية شعيب صلوات اللّه عليه وجعله إياها كالقوى النباتية سميت عصا ، ولهذا قيل : وهبها له شعيب عليه السلام . [ 22 ، 23 ]

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 22 إلى 23 ]

وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى ( 22 ) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى ( 23 )
وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ
أي : اضمم عقلك إلى جانب روحك الذي هو جناحك الأيمن لتتنوّر بنور الهداية الحقانية ، فإن العقل بموافقة النفس وانضمامه إليها وإلى جانبها الذي هو الجناح الأيسر لتدبير المعاش يتكدر ويختلط بالوهم فيصير كدرا جاسيا لا يتنوّر ولا يقبل المواهب الربانية والحقائق الإلهية ، فأمر بضمه إلى جانب الروح ليتصفى ويقبل نور القدس
تَخْرُجْ بَيْضاءَ
منورة بنور الهداية الحقانية وشعاع النور القدسي
مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
أي : آفة ونقص ومرض من شوب الوهم والخيال
آيَةً أُخْرى
صفة منضمة إلى الصفة الأولى
لِنُرِيَكَ
من آيات تجليات صفاتنا الآية
الْكُبْرى
التي هي الفناء في الوحدة ، أي : لتكون ببصرك في مقام تجليات الصفات ، فنريك من طريقها وجهتها ذاتنا عند التجلي الذاتي ، فتبصرنا بنا في القيامة الكبرى .
تفسير ابن عربي — صفحة 22 | ابن عربي / سمير مصطفى رباب