تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
إشارة إلى توقف كماله المعنوي والصوري على البدن ، والشيطان الذي جاءها فأخذ منها الخاتم : هو الطبيعة العنصرية الأرضية صاحب بحر الهيولى السفلية سمي صخرا لميله إلى السفل وملازمته كالحجر للثقل ، وتختمه به : لبسه به بانضمامه إلى نفسه ، وجلوسه على كرسي سليمان : هو إلقاء اللّه تعالى بدنه ميتا على موضعه وسرير سلطنته كما قال تعالى :
وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً
وتغيّر سليمان عن هيئته بقاء الهيئات الجسمانية والآثار الهيولانية من بقايا الصفات النفسانية عليه بعد المفارقة البدنية وتغيره عن النورانية الفطرية والهيئة الأصلية ، وإتيانه أمينة لطلب الخاتم : ميله إلى البدن ومحبته له وشوقه إليه ، وإنكارها إياه وطردها له : عبارة عن عدم قبول الطبيعة البدنية الحياة لبطلان المزاج ، ودوره على البيوت متكففا : ميله إلى الحظوظ واللذات الجسمانية وانجذابه إليها بالشوق للهيئات النفسانية ، وحثيهم التراب على وجهه وسبّهم إياه عبارة عن : حرمانه من تلك الحظوظ واللذات وفقدان أسباب تلك الشهوات ، وقصده إلى السمّاكين وخدمته لهم : إشارة إلى الميل إلى قرارة الأرحام المتعلق بالنطفة ، ومكثه أربعين يوما في خدمة السمّاكين : إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الرباني : « خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا » ، وطيران الشيطان : سريان الطبيعة العنصرية في التركيب ، وإلقاؤه الخاتم في البحر : تلاشي التركيب البدني في البحر الهيولاني ، وابتلاع السمكة إياه : جذب الرحم للمادة البدنية التي هي النطفة ، ووقع السمكة في يد سليمان : تعلقه في الرحم بها واستيلاؤه على الرحم بالاغتذاء منه والتصرّف فيه ، وبقر بطنها وأخذ الخاتم منه وتخّتمه : به فتح الرحم وإخراج البدن منه وتلبسه به وخروره ساجدا ورجوع ملكه : حصول كماله به بالانقياد لأمر اللّه والفناء فيه ، وجعله لصخر في صخرة وإلقاؤه إياه في البحر : إبقاء الطبيعة الأرضية على حالها منطبعة محبوسة في باطن الجرم ملازمة للثقل ، والميل إلى السفل في بحر الهيولى عند وجود الطبيعة البدنية وتركه إياه فيه غير قادر على استيلاء أمينة وأخذ الخاتم منها إلى حين .
ثُمَّ أَنابَ
بعد اللتيا والتي إلى اللّه بالتجريد والتزكية . [ 35 ]

[ سورة ص ( 38 ) : آية 35 ]

قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 35 )
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي
ذنوب تعلقاتي وهيئاتي الساترة لنوري المظلمة المكدّرة لصفائي بنورك
وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
أي : كمالا خالصا باستعدادي يقتضيه هويتي لا ينبغي لغيري لاختصاصه بي وهو الغاية التي يمكنه بلوغها
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
لجميع الاستعدادات وكل ما سئلت من الكمالات كما قال تعالى :
وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم ، الآية : 34 .