وهنا يجب الإقرار بأنّ مسألة أخذ الأحكام الفرعيّة من مصدر غير المعصوم عليه السلام من جهة ، والاعتقاد بمراتب كمال الإمام عليه السلام وفعليّة مقاماته من جهة أخرى ، ناشئ عن نوع من الجهل وعدم المعرفة الصحيحة للتوازن بين التكوين والتشريع واتحادهما والعلاقة بينهما . وهذا الجهل لم يكن مقتصراً على الكثير من الناس في زمن الإمام فقط ، بل إنّه موجود ومشاهد بوضوح في الزمن الحاضر عبر مصاديق متعدّدة وفي مراتب متفاوتة .
عدم إمكان اعتبار ابن أبي الحديد خارجاً عن مدرسة أهل البيت لمدحه الخلفاء الثلاثة
وعلى صعيد آخر ، هل أنّ ابن أبي الحديد المعتزلي الذي نعتبره من أهل السنّة والمنحرفين عن جادّة الصواب وحريم الولاية ومخالفاً للطريق المنصوص ليس له أيّ مكان في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ؟ وهل يجب علينا نفيه وطرده من هذه المدرسة لمجرّد صدور بعض المدح بحقّ الخلفاء من قبله ، مع العلم أنّه أورد الكثير من وجوه الإشكال عليهم بل واستهزائه بهم وببعض اعتقاداتهم ؟ والحال أنّ المناقب التي يذكرها بحقّ مولى الموالي علي بن أبي طالب عليه السلام وأشعاره فيه تحيّر الإنسان وتدهشه ، فقد ذكر :
قد قلت للبرق الذي شقّ الدجى * فكأنّ زنجيّاً هناك يُجدِّع
يا برق إن جئت الغريّ فقل له * أتراك تعلم من بأرضك مودع
فيك ابن عمران الكليمُ وبعده * عيسى يقفّيه وأحمد يتبع
بل فيك جبريل وميكال وإس * رافيل والملأ المقدّس أجمع
بل فيك نور الله جلّ جلاله * لذوي البصائر يستشفّ ويلمع
فيك الإمام المرتضى فيك الوصي * المجتبى فيك البطين الأنزع [ 1 ]
انظر إلى هذه الأبيات فإن ابن أبي الحديد يصرّح فيها أنّ ذاك الإمام
هامش
[ 1 ] الروضة المختارة ، ص 136 و 137 .