واضحاً حتّى للفرد العامي أنّ وراء دعوة هذا الشخص إلى التوحيد والقيم الإنسانيّة واكتساب الملكات الفاضلة دوافعُ نفسيّة تقوم على أساس الحبّ والبغض الدنيوي ، ويبتغي منها تحصيل المنافع الشخصيّة من الوصول إلى الرئاسة والمراتب العالية للأمر والنهي ، وإرضاءً للملكات الرذيلة للنفس الطاغية وغير المتربية .
يقول الله تعالى للنبي موسى عليه السلام : إنّ فرعون وإن ادعى الألوهيّة وتعدّى مقام العبوديّة ، لكنّ قلبه لا يزال مستعّداً ومتهيّئاً لتلقي كلام الحقّ ، فإذا تمّ التعامل معه بمداراة والتكلّم معه بمنطق صحيح لا باللعن والسبّ والطرد والمنع والأمر والنهي فمن الممكن أن يخرج من حالة العناد هذه ، ويؤوب إلى مرتكزاته الفطريّة وإملاءاته العقليّة ويقبل بمطالب الحقّ التي تقال له .
تصرّف جعفر بن أبي طالب مع النجاشي من النماذج الصحيحة للأمر بالمعروف
وهنا يمكن أن نشير إلى القصّة الجذّابة والممتعة لسفير الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم ؛ جعفر بن أبي طالب الطيّار ، حين أرسله الرسول إلى ملك الحبشة النصراني ؛ النجاشي .
فجعفر بن أبي طالب هو الأخ الأكبر لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وقد تشرّف بالدين الإسلامي حين أعلن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم رسالته . لقد انجذب المشركون إلى الإسلام من خلال كلمات الوحي والآيات الباهرة لكتاب الله ، والمقترنة بالخُلق الكريم والتعامل السليم والمنطق المحكم المتين للرسول الأكرم ، حتى أنّه بعد مدّة وجيزة تشرّف بالإسلام عدد من هؤلاء ؛ ممّن يمتلك قلباً صافياً وفطرة سليمة وعقلًا مستقيماً ، ونبذوا وراءهم عادات الجاهلية وعقائدها ورسومها .
وحين أحسّ مشركو مكّة بعدم قدرتهم على مواجهة المباني المتينة والعقائد الإلهيّة الراسخة والرسوم الإسلاميّة الحكيمة ، شعروا أنّ موقعيّتهم