تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
وذلك لأن العشق المجازي من آثار النفس أي الحقيقة الإنسانية المتعلقة بعالم الماديات والمنصرفه عن المعنويات وعنه تعالى فلذته لذة نفسانية . والعشق النفساني إذا لم يصل صاحبه إلى المعشوق يكون أثره في النفس ، بحيث يوجد فيها حرارة توجب تشويشا واضطرابا في النفس فهو مرض لها ، ويسمى هذا المرض بالماليخوليا كما علمت ، وأثره بقاء النفس وتقويتها وهيجانها إلى أن تصل إلى المعشوق ، وليس فيه ( أي هذا الهيجان ) تحصيل رضا غيره ، بل لا يرى ولا يريد إلا الوصول إلى المعشوق ، لتسكين النفس وإرضاء نفسه ، وهذا بخلاف العشق الحقيقي المتعلق به تعالى فإن أثره ليس إلا إفناء نفسه ، وليس في قلب صاحبه اضطرابا وحرارة لأجل الوصول إلى ما يحبه لنفسه كما كان في العشق المجازي . بل لو وجد فيه حرارة وهيجان فإنما هي للوصول إلى محبوبه بإفناء نفسه ، فكم فرق بين الميل والعشق إلى شيء للوصول إلى تحصيل رضا نفسه وبقائها ، وبين الميل والعشق إلى شيء للوصول إلى المحبوب بإفناء نفسه . وبعبارة أخرى : أن في العشق المجازي حبّ النفس ، وما يرجع إليها في ظرف بقاء النفس ، وفي الحقيقي حبّ المعشوق وما يرجع إليه في ظرف إفناء النفس ، فتأمل تعرف حقيقة الأمر إن شاء اللَّه . والذي ينبغي أن يقال : إن تفسير الألفاظ لا بد من أن يكون بدون النظر إلى المصاديق ، فإن بيان المعاني أمر والتطبيق على المصاديق أمر آخر ربما يخطأ العوام في التطبيق بل والخواص فنقول : الجامع بين الحب والعشق هو الميل فالحبّ هو الميل بدون الإفراط كما علمت ، فإذا وصل حدّ الإفراط صار عشقا . ثم إن المحبة والعشق من حيث هما مفهومان لا يوصفان بمدح ولا ذمّ ، وليستا كصفتي العدل والظلم حيث إنهما بنفسهما متصفان بالمدح والذم ، بل إنما يوصفان بهما باعتبار المتعلق ، فإن كان ممدوحا كان الحبّ والعشق ممدوحا ، وإن كان مذموما كانا مذمومين .