إذا عرفهم أن يقبلوه ، فدلت على أن المعرفة إنما هي على اللَّه تعالى ، وليس على الخلق تحصيل المعرفة من قبل أنفسهم " ، وقد تقدم قوله عليه السّلام : " هو الدال بالدليل عليه "
وهذا نظير قوله عليه السّلام في الدعاء : " يا من دلّ على ذاته بذاته " .
ثم إن المهم بيان المراد من المعرفة ثم بيان أنها فيهم عليهم السّلام وقائمة بهم ، وأنهم محالها لا غيرهم فنقول : قد علمت أن المعرفة بشيء هو دركه بحيث يمتاز بجميع شؤونه عما سواه ، فهذه بالنسبة إليه تعالى لا يمكن بلحاظ ذاته المقدسة بنحو يدرك الإنسان ذاته تعالى ، لما علمت من الأحاديث والآيات الدالة على امتناعه ، وهذا ظاهر لا خفاء فيه .
نعم : يمكن تعلق المعرفة بالذات أي امتياز الذات الربوبي عن غيره ، بحيث يرجع إلى نفي الشريك عنه تعالى في ذاته .
ولعلّ قوله عليه السّلام فيما تقدم : " توحيده تمييزه عن خلقه ، "
يشير إلى هذا ، فلا محالة حينئذ لا معنى لمعرفته تعالى إلا بلحاظ معرفة أسمائه ، التي وصف بها نفسه تعالى بحيث يمتاز عمّا سواه من غيره ، ولا يشاركه فيه أحد ، فمن عرف اللَّه بصفاته ، التي عرف نفسه بها وميّزه عن غيره فقد عرف اللَّه . ثم : إن معرفة الصفات على قسمين :
الأول : معرفة تلك الأسماء بلحاظ مفاهيمها ، وما به امتياز كلّ صفة عن غيره بنحو يمكن اتصاف ذاته المقدسة بها ، مع حفظ مقام التوحيد له تعالى ، وهذا مبين في الكتب الكلامية والكتب العرفانية .
والثاني : معرفة مصاديق تلك الصفات ، وأنها أين حلَّت وكيف وجدت في عالم الوجود ؟ فحينئذ نقول : قوله عليه السّلام : " محال معرفة اللَّه "
إشارة إلى أن ذواتهم المقدسة هي محال معرفة اللَّه تعالى ، وإضافة المحال إليها من قبيل إضافة محل الشيء إلى نفسه ، وهو في الأمور المعنوية يفيد معنى الإضافة البيانية ، فمرجع الكلام حينئذ إلى أنهم
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 272
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٢٧٢