إذا علمت هذا ، فاعلم : أنّ مراتب معرفة اللَّه بالنسبة إلى العارفين به تعالى كثيرة ، فالأغلب علمهم به تعالى حصولي بنحو تقدم .
ولكن هذا الحديث يعطي أنّ النبي والوصي وكذا الأئمة بدليل الاشتراك كما تقدم ، معرفتهم به تعالى معرفة حضورية لا بواسطة الصور الخيالية ، بل هم عليهم السّلام في مقام المشاهدة ، فهم يعرفون بالحضور ، كما تقدمت الإشارة إليه مرارا .
نعم : هذا بالنسبة إليه تعالى ليست معرفة بالكنه ، بل معرفة حضورية ليست فوقها معرفة لأحد .
وحاصلها أنه تعالى تجلى بجماله الحقيقي وأسمائه وصفاته لهم ، وحيث إنهم صفاته فقد تجلى تعالى بهم لهم ، وإلى هذه الحقيقة يشير ما ورد عنهم عليهم السّلام كما سيجيء أنه احتجب ربّنا بنا وأطلق على النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم الحجاب الأعظم ، وأطلق عليهم عليهم السّلام الحجب كما في الزيارة الرجبية .
وأما بالنسبة إلى معرفة النبي والوصي معرفة بالكنه ، أي أن قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم " يا علي لا يعرفك إلا اللَّه ، وأنا ولا يعرفني إلا اللَّه وأنت "
تكون المعرفة منهما كلّ بالنسبة إلى الآخر معرفة بالكنه ، أي أن عليا عرف محمدا بالكنه ، ومحمد عرف عليّا بالكنه بنحو لا يشاركهما في معرفتهما أحد كما لا يخفى .
فحينئذ إذا انحصرت معرفته تعالى فيهما عليهما وآلهما السلام لا غير ، فلازمه أنهما المختاران للَّه تعالى لذلك المقام ، وهو مقام المعرفة الخاصة المختصة بهما كما لا يخفى .
وفي مصباح الشيخ والإقبال وغيرهما ، في خطبة يوم الغدير والجمعة ، عن أمير المؤمنين عليه السّلام إلى أن قال عليه السّلام : " وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله ، استخلصه في القدم على ساير الأمم على علم منه ، انفرد عن التشاكل والتماثل من أبناء الجنس ، وانتجبه آمرا وناهيا عنه ، أقامه في سائر عالمه في الأداء مقامه ، إذ كان لا تدركه الأبصار ، ولا تحويه خواطر الأفكار ، ولا تمثله غوامض الظنون في الأسرار .
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 133
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص١٣٣