تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ
وفيه ما يرشدهم إلى رفع الحجاب ، ورؤية حق كل دين ومذهب ، وليس أهل ذلك الدين والمذهب حقهم بباطل لتقيّدهم بمعتقدهم ، فما الفرق بينهم وبين الذين لا علم لهم ولا كتاب ، كالمشركين ، فإنهم يقولون مثل قولهم بل هم أعذر ، إذ ليس عليهم إلا حجة العقل وهم بحجة العقل والشرع
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
بالحق في اختلافاتهم
يَوْمَ
قيام
الْقِيامَةِ
الكبرى وظهور الوحدة الذاتية عند خروج المهديّ عليه السلام . وفي الحديث ما معناه : « إنّ اللّه يتجلى لعباده في صورة معتقداتهم فيعرفونه ، ثم يتحوّل عن صورته إلى صورة أخرى فينكرونه » ، وحينئذ يكونون كلهم ضالّين محجوبين إلا ما شاء اللّه وهو الموحد الذي لم يتقيد بصورة معتقده . [ 114 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 114 ]

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 114 )
وَمَنْ أَظْلَمُ
أي : أنقص حقا وأبخس حظا
مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ
أي : مواضع سجود اللّه التي هي القلوب التي يعرف فيها فيسجد بالفناء الذاتيّ
أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
الخاص الذي هو الاسم الأعظم ، إذ لا يتجلى بهذا الاسم إلا في القلب ، وهو التجلي بالذات مع جميع الصفات أو اسمه المخصوص بكل واحد منها ، أي الكمال اللائق باستعداده المقتضى له .
وَسَعى فِي خَرابِها
بتكديرها بالتعصبات الباردة وغلبة واستيلاء التمنيات عليها ، ومنع أهلها المستعدّين عنها بالهرج والمرج وتهييج الفتن اللازمة لتجاذب قوى النفس ودواعي الشيطان والوهم
أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ
ويصلوا إليها ، أي : منكسرين لظهور تجلّي الحق فيها
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
أي : افتضاح وذلّة بظهور بطلان دينهم ومعتقدهم ، وفسخه بدين الحق وانقهارهم وتحسرهم ومغلوبيتهم .
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
هو الاحتجاب عن الحق بدينهم . [ 115 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 115 ]

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 115 )
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ
أي : عالم النور والظهور الذي هو جنّة النصارى وقبلتهم بالحقيقة هو باطنه
وَالْمَغْرِبُ
أي : عالم الظلمة والاختفاء الذي هو جنّة اليهود وقبلتهم بالحقيقة هو ظاهره
فَأَيْنَما تُوَلُّوا
أي : أي جهة تتوجهوا من الظاهر والباطن
فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
أي : ذات اللّه المتجلية بجميع صفاته ، أو وللّه الإشراق على قلوبكم بالظهور فيها والتجلي لها بصفة جماله حالة شهودكم وفنائكم ، والغروب فيها بتستره واحتجابه بصورها وذواتها ، واختفائه بصفة جلاله حالة بقائكم بعد الفناء . فأيّ جهة تتوجهوا حينئذ فثمّ وجهه لم يكن شيء إلا إيّاه وحده
إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ
جميع الوجود شامل لجميع الجهات والوجودات
عَلِيمٌ
بكل العلوم والمعلومات .