تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
نتيجة الوفاء بميثاق الفطرة أو نفسه كما قال تعالى :
رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
« 1 » في عقد العزيمة ووعد الخليقة ، كما قال تعالى في إسماعيل عليه السلام :
إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ
« 2 » وإذا روعي في المواطن كلها حتى الخاطر والفكر والنية والقول والعمل صدقت المنامات والواردات والأحوال والمقامات والمواهب والمشاهدات كأنه أصل شجرة الكمال وبذر ثمرة الأحوال .
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ
أي : يجب على كل مستعد من جماعة سلوك طريق طلب العلم إذ لا يمكن لجميعهم ، أما ظاهرا فلفوات المصالح ، وأما باطنا فلعدم الاستعداد . والتفقه في الدين هو من علوم القلب لا من علوم الكسب إذ ليس كل من يكتسب العلم يتفقه كما قال تعالى :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ *
« 3 » والأكنة : هي الغشاوات الطبيعية والحجب النفسانية فمن أراد التفقّه فلينفر في سبيل اللّه وليسلك طريق التزكية والتصفية حتى يظهر العلم من قلبه على لسانه كما نزل على بعض أنبياء بني إسرائيل : « يا بني إسرائيل ، لا تقولوا العلم في السماء من ينزل به ، ولا في تخوم الأرض من يصعد به ، ولا من وراء البحر من يعبر ويأتي به ، العلم مجعول في قلوبكم تأدّبوا بين يديّ بآداب الروحانيين ، وتخلقوا بأخلاق الصديقين ، أظهر العلم من قلوبكم حتى يغمركم ويغطيكم » . فالمراد من التفقه علم راسخ في القلب ، ضارب بعروقه في النفس ، ظاهر أثره على الجوارح بحيث لا يمكن صاحبه ارتكاب ما يخالف ذلك العلم وإلا لم يكن عالما . ألا ترى كيف سلب اللّه الفقه عمن لم تكن رهبة اللّه أغلب عليه من رهبة الناس بقوله تعالى :
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 13 )
« 4 » لكون رهبة اللّه لازمة للعلم ، كما قال تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
« 5 » وسلب العلم عمن لم يعمل به في قوله تعالى :
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
« 6 » . وإذا تفقهوا وظهر علمهم على جوارحهم أثر في غيرهم وتأثروا منه لارتوائهم به وترشحهم منه كما كان حال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلزم الإنذار الذي هو غايته كما قال :
وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
ومن لازم التفقه الجهاد الأكبر ثم الأصغر فلذلك قال بعده :
قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ
من كفار قوى نفوسكم التي هي أعدى
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب ، الآية : 23 . ( 2 ) سورة مريم ، الآية : 54 . ( 3 ) سورة الأنعام ، الآية : 25 . ( 4 ) سورة الحشر ، الآية : 13 . ( 5 ) سورة فاطر ، الآية : 28 . ( 6 ) سورة الزمر ، الآية : 9 .