تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
ويثاب بأنواع النعيم في الجنان كلها . ومن وقف مع الغير بالشرك وقف على الربّ وعذب بجميع أنواع العذاب في مراتب النيران كلها ، لكون حجابه أغلظ وكفره أعظم . ومن وقف مع الناسوت بمحبة اللّذات والشهوات ، ولبث في حجاب الآثار وقف على الملكوت وعذّب بنيران الحرمان عن المراد ، وسلّط عليه زبانية الهيئات المظلمة ، وقرن بشياطين الأهواء المردية . ومن وقف مع الأفعال وخرج عن حجاب الآثار ، وقف على الجبروت ، وعذّب بنار الطمع والرجاء ، وردّ إلى مقام الملكوت . ومن وقف مع الصفات وخرج عن حجاب الأفعال ، وقف على الذات ، وعذّب بنار الشوق في الهجران وإن كان من أهل الرضا وهذا الموقف ليس هو الموقف على الربّ ، فإن الموقوف على الذات يعرف ربّه الموصوف بصفات اللطف كالرحيم ، والرؤوف ، والكريم ، دون الموقوف على الربّ فهو حجاب الإنية كما أنّ الواقف مع الأفعال في حجاب أوصافه ، والواقف مع الناسوت في حجاب أفعاله التي هي من جملة الآثار . فالمشرك موقوف في المواقف الأربعة أولا على الربّ فيحجب بالبعد والطرد ، كما قال :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
« 1 » ، وقال :
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
« 2 » ، ثم على الجبروت فيطرد بالسخط والقهر كما قال :
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ
« 3 » ، ثم على الملكوت فيزجر بالغضب واللعن كما قيل :
ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ *
« 4 » ثم على النار ، فيعذب بأنواع النيران أبدا ، كما قال على لسان مالك :
إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
« 5 » ، فيكون وقفه على النار متأخرا عن وقفه على الربّ ، معلولا منه ، كما قال :
ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ
« 6 » . وأما الواقف مع الناسوت فيقف للحساب على الملكوت ثم على النار ، وقد ينحى لعدم السخط وقد لا ينحى لوجوده . والواقف مع الأفعال لا يوقف على النار أصلا ، بل يحاسب ويدخل الجنة . وأما الواقف مع الصفات فهو من الذين :
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ *
« 7 » واللّه أعلم بحقائق الأمور . [ 31 - 32 ]

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 31 إلى 32 ]

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ( 31 ) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 32 )
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون ، الآية : 108 . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 106 . ( 3 ) سورة آل عمران ، الآية : 77 . ( 4 ) سورة الزمر ، الآية : 72 . ( 5 ) سورة الزخرف ، الآية : 77 . ( 6 ) سورة يونس ، الآية : 70 . ( 7 ) سورة المائدة ، الآية : 119 .