تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
يبدّل اللّه سيئاتهم حسنات ، والمعذبون حينا بحسب ما رسخ فيهم من المعاصي حتى خلصوا عن درن ما كسبوا ، فنجوا وهم أهل العدل والعقاب ، والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا . لكن الرحمة تتداركهم وثلاثتهم أهل الآخرة . والسابقون إمّا محبون وإمّا محبوبون ، فالمحبون هم الذين جاهدوا في اللّه حقّ جهاده ، وأنابوا إليه حقّ إنابته ، فهداهم سبله . والمحبوبون هم أهل العناية الأزلية الذين اجتباهم وهداهم إلى صراط مستقيم . والصنفان هما أهل اللّه ، فالقرآن ليس هدى للفريق الأول من الأشقياء لامتناع قبولهم للهداية لعدم استعدادهم ، ولا للثاني لزوال استعدادهم ومسخهم وطمسهم بالكلية بفساد اعتقادهم ، فهم أهل الخلود في النار إلا ما شاء اللّه . فبقي هدى للخمسة الأخيرة الذين يشملهم المتقون ، والمحبوب يحتاج إلى هداية الكتاب بعد الجذب والوصول لسلوكه في اللّه لقوله تعالى لحبيبه كذلك :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
« 1 » ، وقوله :
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ
« 2 » . والمحبّ يحتاج إليه قبل الوصول والجذب وبعده لسلوكه إلى اللّه وفي اللّه . فعلى هذا ، المتقون في هذا الموضع هم المستعدّون الذين بقوا على فطرتهم الأصلية ، واجتنبوا رين الشرك والشك لصفاء قلوبهم وزكاء نفوسهم ، وبقاء نورهم الفطري ، فلم ينقضوا عهد اللّه . وهذه التقوى مقدّمة على الإيمان ، ولها مراتب أخرى متأخرة عنه كما سيأتي إن شاء اللّه . [ 3 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 3 ]

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 )
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ
أي : بما غاب عنهم الإيمان التقليديّ ، أو التحقيقيّ العلميّ ، فإنّ الإيمان قسمان : تقليديّ وتحقيقيّ . والتحقيقيّ قسمان : استدلالي وكشفيّ ، وكلاهما إمّا واقف على حدّ العلم والغيب ، وإما غير واقف . والأول هو الإيقان المسمّى علم اليقين . والثاني : إمّا عيني ، وهو المشاهدة المسمى عين اليقين ، وإما حقّي ، وهو الشهود الذاتي المسمّى حق اليقين . والقسمان الأخيران لا يدخلان تحت الإيمان بالغيب ، والإيمان بالغيب يستلزم الأعمال القلبية التي هي التزكية ، وهي تطهير القلب عن الميل إلى السعادات البدنية الخارجية ، الشاغلة عن إحراز السعادة الباقية . فإن السعادات ثلاث : قلبية ، وبدنية ، وما حول البدن . فالقلبية هي المعارف ، والحكم ، والكمالات العلمية والعملية الخلقية . والبدنية هي الصحة والقوّة واللذّات الجسمانية والشهوات الطبيعية . وما حول البدن
هامش
( 1 ) سورة الفرقان ، الآية : 32 . ( 2 ) سورة هود ، الآية : 120 .