تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
ش : اختلف الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان ، اختلافا كثيرا : فذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة رحمهم اللّه وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين : إلى أنه تصديق بالجنان ، وإقرار باللسان ، وعمل بالأركان . وذهب كثير من أصحابنا إلى ما ذكره الطحاوي رحمه اللّه : أنه الإقرار باللسان ، والتصديق بالجنان . ومنهم من يقول : إن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي ، وإلى هذا ذهب أبو منصور الماتريدي رحمه اللّه ، ويروى عن أبي حنيفة رضي اللّه عنه . وذهب الكرّامية إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط ! فالمنافقون عندهم مؤمنون كاملو الإيمان ، ولكنهم يقولون بأنهم يستحقون الوعيد الذي أوعدهم اللّه به ! وقولهم ظاهر الفساد . وذهب الجهم بن صفوان وأبو الحسن الصالحي أحد رؤساء القدرية - إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب ! وهذا القول أظهر فسادا مما قبله ! فإن لازمه أن فرعون وقومه كانوا مؤمنين ، فإنهم عرفوا صدق موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام ، ولم يؤمنوا بهما ، ولهذا قال موسى لفرعون :
لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ
الاسراء : 102 . وقال تعالى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا . فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
النمل : 14 . وأهل الكتاب كانوا يعرفون النبي صلى اللّه عليه وسلّم كما يعرفون أبناءهم ، ولم يكونوا مؤمنين به ، بل كافرين به ، معادين له ، وكذلك أبو طالب عنده يكون مؤمنا ، فإنه قال :
ولقد علمت بأن دين محمد * من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبّة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا
بل إبليس يكون عند الجهم مؤمنا كامل الإيمان ! فإنه لم يجهل ربه ، بل هو عارف به ،
قالَ : رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
الحجر : 36 .
قالَ : رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
الحجر : 39 .
قالَ : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
ص : 82 . والكفر عند الجهم هو الجهل بالرب تعالى ، ولا أحد أجهل منه بربه ! فإنه جعله الوجود المطلق ، وسلب عنه جميع صفاته ، ولا جهل أكبر من هذا ، فيكون كافرا بشهادته على نفسه ! وبين هذه المذاهب مذاهب أخر ، بتفاصيل وقيود ، أعرضت