تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ
الطور : 35 . يقول سبحانه : أحدثوا من غير محدث أم هم أحدثوا أنفسهم ؟ ومعلوم أن الشيء المحدث لا يوجد نفسه ، فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجودا بنفسه ، بل إن حصل ما يوجده والا كان معدوما ، وكل ما أمكن وجوده بدلا عن عدمه وعدمه بدلا عن وجوده ، فليس له من نفسه وجود ولا عدم لازم له . وإذا تأمل الفاضل غاية ما يذكره المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية ، وجد الصواب منها يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن من الطرق العقلية بأفصح عبارة وأوجزها ، وفي طرق القرآن من تمام البيان والتحقيق ما لا يوجد عندهم مثله ، قال تعالى :
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
الفرقان : 33 . ولا نقول : لا ينفع الاستدلال بالمقدمات الخفية والأدلة النظرية - : فان الخفاء والظهور من الأمور النسبية ، فربما ظهر لبعض الناس ما خفي على غيره ، ويظهر للانسان الواحد في حال ما خفي عليه في حال أخرى . وأيضا فالمقدمات وان كانت خفية فقد يسلمها بعض الناس وينازع فيما هو أجلى منها ، وقد تفرح النفس بما علمته من البحث والنظر ما لا تفرح بما علمته من الأمور الظاهرة . ولا شك أن العلم بإثبات الصانع ووجوب وجوده أمر ضروري فطري ، وان كان يحصل لبعض الناس من الشبه ما يخرجه إلى الطرق النظرية . وقد أدخل المتكلمون في أسماء اللّه تعالى القديم ، وليس هو من الأسماء الحسنى ، فان القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن : هو المتقدم على غيره ، فيقال : هذا قديم ، للعتيق ، وهذا حديث ، للجديد . ولم يستعملوا هذا الاسم الا في المتقدم على غيره ، لا فيما [ لم ] يسبقه عدم ، كما قال تعالى :
حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
يس : 39 . والعرجون القديم : الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني ، فإذا وجد الجديد قيل للأول : قديم ، وقال تعالى :
وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ
الأحقاف : 11 ، أي متقدم في الزمان . وقال تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ
الشعراء : 75 ، 76 . فالأقدم مبالغة في القديم ، ومنه : القول القديم والجديد للشافعي رحمه اللّه تعالى . وقال تعالى :
يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ
هود : 98 ، أي
شرح العقيدة الطحاوية — صفحة 112 | ابن أبي العز الحنفي