قال : ومن شعر عبد اللّه والده صلى اللّه عليه وسلم كما في تذكرة الصلاح الصفدي :
لقد حكم البادون في كل بلدة * بأن لنا فضلا على سادة الأرض
وإن أبي ذو المجد والسؤدد الذي * يشار به ما بين نشز إلى خفض
أي ارتفاع وانخفاض .
وعن أبي يزيد المديني أن عبد المطلب لما خرج بابنه عبد اللّه ليزوجه ، فمر به على امرأة كاهنة من أهل تبالة : بضم التاء المثناة فوق بلدة باليمن قد قرأت الكتب ، يقال لها فاطمة بنت مر الخثعمية ، فرأت نور النبوة في وجه عبد اللّه ، فقالت له : يا فتى هل لك أن تقع علي الآن وأعطيك مائة من الإبل ؟ فقال عبد اللّه ما تقدم ا ه .
أقول : قال الكلبي : كانت أي تلك الكاهنة من أجمل النساء وأعفهن ، فدعته إلى نكاحها فأبى . ولا منافاة ، لأنه جاز أن تكون أرادت بقولها قم علي الآن أي بعد النكاح وفهم عبد اللّه أنها تريد الأمر من غير سبق نكاح ، فأنشد الشعر المتقدم الدال على طهارته وعفته ، وهذا بناء على اتحاد الواقعة ، وأن المرأة في هاتين الواقعتين واحدة ، وأنه اختلف في اسمها ، وأنه مر على تلك المرأة في ذهابه مع أبيه ليزوجه آمنة ، ويدل لذلك « فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت » .
وظاهر سياق المواهب يقتضي أنهما قضيتان ، وأن الأولى عند انصرافه مع أبيه ليزوجه آمنة .
وقوله قد قرأت الكتب : أي فجاز أنها رأت في تلك الكتب أن النبي صلى اللّه عليه وسلم المنتظر يكون نورا في وجه أبيه ، وأنه يكون من أولاد عبد المطلب ، أو أنها ألهمت ذلك فطمعت أن يكون ذلك النبي منها ، ويؤيد الثاني ما سيأتي عنها ، واللّه أعلم .
فأتى عبد المطلب عم آمنة وهو وهيب بن عبد مناف بن زهرة ، وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبا وشرفا ، وكانت في حجره لموت أبيها وهب بن عبد مناف .
وقيل أتى عبد المطلب إلى وهب بن عبد مناف فزوجه ابنته آمنة ، وقدم هذا في الاستيعاب ، فزوجها لعبد اللّه وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا ، فدخل بها عبد اللّه حين أملك عليها مكانه ، فوقع عليها ، فحملت برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وانتقل ذلك النور إليها .
قيل وقع عليها يوم الاثنين في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى .
أقول فيه : إنه سيأتي في فتح مكة أنه نزل بالحجون ، بفتح الحاء المهملة عند شعب أبي طالب بالمكان الذي حصرت فيه بنو هاشم وبنو المطلب .
ويمكن أن يقال : ذلك الشعب الذي كان في الحجون كان محلا لسكن أبي