جبريل به سابق على اقتران إسرافيل به .
هذا ، وفي كلام الحافظ السيوطي أن مجيء إسرافيل كان بعد ابتداء الوحي بسنتين ، قال كما يعرف ذلك من سائر طرق الأحاديث ، وهو بظاهره يرد ما في « سفر السعادة » أنه صلى اللّه عليه وسلم لما بلغ تسع سنين أمر اللّه تعالى إسرافيل أن يقوم بملازمته .
ولما بلغ إحدى عشرة سنة أمر جبريل بملازمته صلى اللّه عليه وسلم فلازمه تسعا وعشرين سنة فليتأمل .
وعن يحيى بن بكير قال : ما خلق اللّه خلقا في السماوات أحسن صوتا من إسرافيل ، فإذا قرأ في السماء يقطع على أهل السماء ذكرهم وتسبيحهم .
ثم رأيت في فتح الباري : ليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين : أي على ما تقدم ما بين نزول اقرأ ويا أيها المدثر عدم مجيء جبريل إليه ، بل تأخر نزول القرآن عليه فقط هذا كلامه : أي فكان جبريل يأتي إليه بغير قرآن بعد مجيئه إليه باقرأ ، ولم يجئ إليه بالقرآن الذي هو يا أيها المدثر إلا بعد الثلاث سنين على ما تقدم ، ثم في تلك المدة مكث أياما لا يأتيه أصلا ، ثم جاءه بيا أيها المدثر ، فكان قبل تلك الأيام يختلف إليه هو وإسرافيل ، وهذا السياق كما لا يخفى يؤخذ منه عدم المنافاة بين كون مدة فترة الوحي ثلاث سنين كما يقول ابن إسحاق ، وسنتين ونصفا كما يقول السهيلي ، وسنتين كما يقول الحافظ السيوطي ، وبين كونها أياما أقلها ثلاثة وأكثرها أربعون كما تقدم عن ابن عباس ، لأن تلك الأيام التي كانت لا يرى فيها جبريل أصلا على ما تقدم : أي ولا يرى فيها إسرافيل أيضا . وفي غير تلك الأيام كان يأتيه بغير القرآن ، وحينئذ لا يحسن رد الحافظ فيما سبق على السهيلي . وينبغي أن تكون تلك الأيام التي لا يرى فيها جبريل وإسرافيل هي التي يريد فيها أن يلقي نفسه من رؤوس شواهق الجبال ، وهذا السياق أيضا يدل على أن النبوة سابقة على الرسالة بناء على أن الرسالة كانت بيا أيها المدثر ، ويصرح به ما تقدم من قول بعضهم نبأه بقوله
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
[ العلق : الآية 1 ] وأرسله بقوله
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ( 4 )
[ المدثر : الآيات 1 - 4 ] وأن بينهما فترة الوحي وعليه أكثر الروايات .
وقيل النبوة والرسالة مقترنان ، ولعل من يقول بتلك يقول
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 )
[ دلت على طلب الدعوة إلى اللّه تعالى ، وهذا غير إظهار الدعوة والمفاجأة بها الذي دل عليه قوله تعالى :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
[ الحجر : الآية 94 ] فليتأمل .
وذكر السهيلي أن من عادة العرب إذا قصدت الملاطفة أن تسمي المخاطب باسم مشتق من الحالة التي هو عليها ، فلاطفه الحق سبحانه وتعالى بقوله :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 )
[ المدّثّر : الآية 1 ] فبذلك علم رضاه الذي هو غاية مطلوبه ، وبه كان يهون عليه