القرآن فالتمسوه في الشعر ، فإن الشعر ديوان العرب ، وفي كلام سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه : نعم الأبيات من الشعر يقدمها الرجل في صدر حاجته ، يستعطف بها قلب الكريم ويستميل بها لؤم اللئيم .
والحاصل أن الحق الحقيق بالاعتماد وبه تجتمع الأقوال أن المحرم عليه صلى اللّه عليه وسلم إنما هو إنشاد الشعر : أي الإتيان بالكلام الموزون عن قصد وزنه ، وهذا هو المعنى بقوله تعالى
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ
[ يس : الآية 69 ] .
فإن فرض وقوع كلام موزون منه صلى اللّه عليه وسلم لا يكون ذلك شعرا اصطلاحا لعدم قصد وزنه ، فليس من الممنوع منه .
والغالب عليه صلى اللّه عليه وسلم أنه إذا أنشد بيتا من الشعر متمثلا أو مسندا لقائله لا يأتي به موزونا ، وربما أتى به موزونا .
وادّعى بعض الأدباء أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يحسن الشعر : أي يأتي به موزونا قصدا ، ولكنه كان لا يتعاطاه : أي لا يقصد الإتيان به موزونا . قال : وهذا أتم وأكمل مما لو قلنا بأنه كان لا يحسنه ، وفيه أن في ذلك تكذيبا للقرآن .
وفي التهذيب للبغوي . من أئمتنا ، قيل : كان صلى اللّه عليه وسلم يحسن الشعر ولا يقوله .
والأصح أنه كان لا يحسنه ، ولكن كان يميز بين جيد الشعر ورديئه ، ولعل المراد بين الموزون منه وغير الموزون . ثم رأيته في ينبوع الحياة . قال : كان بعض الزنادقة المتظاهرين بالإسلام حفظا لنفسه وماله يعرّض في كلامه بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يحسن الشعر ، يقصد بذلك تكذيب كتاب اللّه تعالى في قوله تعالى
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ
[ يس : الآية 69 ] .
قال بعضهم : والحكمة في تنزيه القرآن عن الشعر الموزون مع أن الموزون من الكلام رتبته فوق رتبة غيره أن القرآن منبع الحق ، ومجمع الصدق ، وقصارى أمر الشاعر التخيل بتصور الباطل في صورة الحق ، والإفراط في الإطراء ، والمبالغة في الذم والإيذاء ، دون إظهار الحق وإثبات الصدق ، ولهذا نزه اللّه تعالى نبيه عنه ، ولأجل شهر الشعر بالكذب سمّى أصحاب البرهان القياسات المؤدّية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعرية .
وقد جاء التنفير عن إنشاد الشعر في المسجد ، قال صلى اللّه عليه وسلم « من رأيتموه ينشد شعرا في المسجد فقولوا : فض اللّه فاك ثلاث مرات » والأخذ بعمومه فيه من العسر ما لا يخفى .
وفي العرائس عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ، قال : من قال آدم قد قال الشعر فقد كذب على اللّه ورسوله ورمى آدم بالإثم ، وإن محمدا والأنبياء صلوات اللّه