القابلة سمعوا ذلك الهاتف يقول :
فيا سعد سعد الأوس كن أنت مانعا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
فقالوا : سعد الأوس سعد بن معاذ ، وسعد الخزرجين سعد بن عبادة ، ففيه نظر ، لأن السعدين المذكورين كانا أسلما قبل ذلك ؟ فلا يحسن قوله إن يسلم السعدان .
أقول : يجوز أن تكون أن هنا بمعنى إذ : أي صيرورته صلى اللّه عليه وسلم آمنا لا يخشى خلاف المخالف لأجل إسلام السعدين ، أو المراد دوامهما على الإسلام ، على أنه ذكر في الأصل إن إنشاد هذين البيتين وسماع أهل مكة له كان قبل إسلام سعد بن معاذ .
وذكر بعضهم أن السعود من الأنصار سبعة : أربعة من الأوس : سعد بن معاذ ، وسعد بن خيثمة ، وسعد بن عبيد ، وسعد بن زيد ، وثلاثة من الخزرج : سعد بن عبادة ، وسعد بن الربيع وسعد بن عثمان أبو عبيدة ، واللّه أعلم .
قال : وتقديم قصة سراقة على قصة أم معبد هو ما في الأصل ، وقد التزم فيه ترتيب الوقائع وقضية الترتيب ذكر قصة أم معبد قبل قصة سراقة لأنه الصحيح الذي صرح به جماعة ا ه .
أقول : ومما يدل لذلك ما تقدم من أن كفار قريش لم يعلموا أين توجه صلى اللّه عليه وسلم حتى سمعوا الهاتف يذكر أم معبد .
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما قالت : لما خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل وقفوا على الباب فخرجت إليهم ، فقالوا : أين أبوك ؟ قلت : واللّه لا أدري ، فرفع أبو جهل يده فلطم خدي لطمة خرم منها قرطي ، أي وفي لفظ : طرح منها قرطي . والقرط : ما يعلق في شحمة الأذن ، قالت . ثم انصرفوا فمضى ثلاث ليال ولم ندر أي توجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة ، يغني بأبيات وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته حتى خرج بأعلى مكة يقول :
جزى اللّه رب الناس
الأبيات كذا في الأصل .
وفيه أن قولها لما خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ظاهر في خروجه للغار ، وقولها فمضى ثلاث لا ندري أين توجه يقتضي أن المراد خروجه من الغار ، وتقدم أنهم علموا بخروجه إلى المدينة في اليوم الثاني من خروجه من الغار ، وتقدم أنهم لم يعلموا بذلك إلا من الهاتف فليتأمل .