وقد وقع الصديق رضي اللّه تعالى عنه أن العرب لما ارتدت بعد موته صلى اللّه عليه وسلم خرج مع الجيش شاهرا سيفه ، فأخذ علي رضي اللّه تعالى عنه بزمام راحلته وقال له : إلى أين يا خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ أقول لك كما قال لك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم أحد : شم سيفك ، ولا تفجعنا بنفسك وارجع إلى المدينة ، فو اللّه لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا ، فرجع وأمضى الجيش .
وفي أوّل الأمر حملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات ، كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مفلولة أي بالفاء متفرقة ، وحمل المسلمون على المشركين فنهكوهم : أي أضعفوهم قتلا ، فلما التقى الناس وحميت الحرب قامت هند في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويقلن :
ويها بني عبد الدار * ويها حماة الأدبار
صربا بكل بتار
وويها : كلمة إغراء وتحريض ، كما تقول : دونك يا فلان . والأدبار : الأعقاب ، أي الذين يحمون أعقاب الناس ، والبتار : السيف القاطع ، ويقلن :
نحن بنات طارق * نمشي على النمارق
مشى القطا النوازق * والمسك في المفارق
والدر في المخانق * إن تقبلوا نعانق
ونفرش النمارق * أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
والطارق : النجم ، قال تعالى
وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ( 1 ) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ ( 2 ) النَّجْمُ الثَّاقِبُ ( 3 )
[ الطارق : الآيات 1 - 3 ] قيل هو زحل : أي نحن بنات من بلغ العلو وارتفاع القدر كالنجم . واعترض بأنها لو أرادت النجم قالت : نحن بنات الطارق .
ثم رأيت أن هذا الرجز لهند بنت طارق ، وحينئذ فليس المراد بطارق النجم ، وإنما هو الرجل المعروف ، كأنها قالت نحن بنات طارق المعروف بالعلو والشرف .
وعن بعضهم قال : جلست بمكة وراء الضحاك ، فسئل عن قول هند يوم أحد :
نحن بنات طارق ، ما طارق ؟ فقلت : هو النجم ، فقال لي : كيف ذلك ؟ فقلت له :
قال اللّه تعالى
وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ( 1 ) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ ( 2 )
[ الطارق : الآيات 1 - 2 ] والنمارق : الوسائد الصغار .
والمراد نفرش ما تجعل عليه الوسائد مع جعلها عليه ، والوامق المحب ، أي فراق غير محب ، لأن غير المحب لا يرجع إذا غضب ، بخلاف المحب . ومن ثم