بنفسه قتالا شديدا ، وكذلك أبو بكر رضي اللّه عنه وكانا في العريش يجاهدان بالدعاء ، فقاتلا بأبدانهما جمعا بين المقامين وأيضا سيأتي في خيبر ما قد يدل على أنه صلى اللّه عليه وسلم قاتل بنفسه .
لأنا نقول : سيأتي ما في ذلك مما يدل على أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يباشر القتال إلا في أحد كما سيأتي ، ولم تقاتل معه الملائكة إلا في بدر وإلا في حنين . قيل وأحد ، وسيأتي ما في ذلك ، ولم يرم صلى اللّه عليه وسلم بالحصباء في وجوه العدوّ في شيء من الغزوات إلا في هذه الثلاثة على خلاف في الثالثة ، أي ولم يجرح أي لم يصبه جراحة في غزوة من الغزوات إلا في أحد ، ولم ينصب المنجنيق في غزوة من الغزوات إلا في غزوة الطائف ، وفيه أنه نصبه على بعض حصون خيبر ، وسيأتي الجمع بينهما ، ولم يتحصن بالخندق في غزوة إلا في غزوة الأحزاب .
ثم لا يخفى أن الآية المذكورة : أي التي هي
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( 39 )
[ الحجّ : الآية 39 ] قال بعضهم : هي أول آية نزلت في شأن القتال ، ولما نزلت أخبر صلى اللّه عليه وسلم بقوله « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه » أي وفي لفظ « حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأني محمد رسول اللّه ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللّه تعالى ، قيل : وما حقها ؟ قال زنا بعد إحصان وكفر بعد إسلام ، أو قتل نفس » .
أقول : وظاهر هذا السياق يقتضي أن الآية فيها الأمر له صلى اللّه عليه وسلم بالقتال المذكور .
وقد يتوقف في ذلك ، ولعله أمر بذلك بغير الآية المذكورة ، لأن الآية إنما هي ظاهرة في الإباحة والمباح ليس مأمورا به ، وحينئذ يكون قوله في الآية الأخرى وهي
فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ
[ البقرة : الآية 191 ] للإباحة ، لأن صيغة أفعل تأتي لها وإن كان الأصل فيها الوجوب .
وعلى أن قوله صلى اللّه عليه وسلم « أمرت » وأن أمره كان بغير هذه الآية يحمل على أن المراد الندب ، لأن الأمر مشترك بين الوجوب والندب ، فلا ينافي ما تقدم من أنه لم يكن وجب عليه القتال حينئذ واللّه أعلم .
ثم لما رمتهم العرب قاطبة عن قوس ، وتعرضوا لقتالهم من كل جانب كانوا لا يبيتون إلا في السلاح ، ولا يصبحون إلا فيه ويقولون ترى نعيش حتى نبيت مطمئنين لا نخاف إلا اللّه عز وجل ؛ أنزل اللّه عز وجل
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
[ النّور : الآية 55 ] ثم أذن في القتال ، أي أبيح الابتداء به حتى لمن لم يقاتل أي لكن في غير الأشهر الحرم أي التي هي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم ، أي بقوله
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
[ التّوبة : الآية