ثم إنّ المؤمن وإن كان لا يخلو من محبّة ما في الجملة كما أنّ عبادته لا تخلو من معرفة مّا في الجملة ، وإلا لم يكن مؤمنا عابدا له تعالى ، ولكن نيل تلك السعادة الأبديّة لا يكون إلا بشدة الحبّ والشوق إليه تعالى كما لا يخفى . ولا تحصل هذه المحبّة الشديدة إلا بأمرين : الأول : قطع العلائق وإخراج حبّ الدنيا وما فيها من القلب كما في أخبار داود عليه السّلام في حديث طويل : ولا ينال هذا إلا من رفض الدنيا ، ولم يشتغل قلبه بشيء منها . وفي سفينة البحار نقلا عن الكافي : سئل علي بن الحسين عليهما السلام : أيّ الأعمال أفضل عند الله ؟ قال : ما من عمل بعد معرفة الله ومعرفة رسوله أفضل من بغض الدنيا ( ذكره في مادة دنا ) . وكيف كان فبقدر ما يشغل القلب بغير الله ينقص منه حبّ الله ، ويفرغ إناء قلبه من ذكره الله بقدر اشتغاله بغيره ، لأن قلب كلّ أحد واحد قال تعالى : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه 33 : 4 ( 1 ) ومعلوم أنّ الكفر عبارة عن امتلاء القلب بمحبّة الباطل ، وكلّ ما سوى الله باطل دون وجهه الكريم قال تعالى : قل الله ثم ذرهم 6 : 91 ( 2 ) وقد روي عنه صلَّى الله عليه وآله : أحسن كلمة قالتها العرب كلمة لبيد :
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 80
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٨٠
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل وكلّ نعيم لا محالة زائل
والحبّ التام هو الحبّ لله والمحبة لله عند من امتلأ قلبه من محبة الله تعالى قال عليه السّلام : " اللَّهمّ املأ قلبي حبّا لك " .
ثم إنّ الخلوص لا يكاد يكون لقلب العبد ، إلا إذ اشتدّ حبّه فإنّه ( أي شدّة الحب ) يحرق ما سواه تعالى في القلب ، ومعنى الإخلاص هو أن يخلص قلبه لله ، فهذا القلب يتمكَّن من أن يعبد الله تعالى مخلصا وخالصا لا غيره ، ولعله إليه يشير
هامش
( 1 ) الأحزاب : 4 . .
( 2 ) الأنعام : 91 . .