من التأمل في الآيات القرآنية والأخبار المنبّهة والأدعية المأثورة عنهم عليهم السّلام فإنها مشحونة بالمعارف ، التي لو تأمل فيها متأمل لصدقها بعد قبوله أصول الدين ، وعدم اتّصاف روحه بالإنكار .
ثمّ إنّ الفرق بين البصير وغيره مع وضوحه من جهات ، أنّ غير البصير وإن آمن با لله بل علم قليلا من المعارف إلا أنه يعبد الله من وراء حجاب فهو من حيث إيمانه من المحسنين ، ولعلَّه إليهم يشير ما روي عنه صلَّى الله عليه وآله إنّه سئل عن الإحسان فقال :
" أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك " .
وأما البصير فيقول سيدهم : " ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله ومعه وبعده " ويقول : " لم أعبد ربّا لم أره " .
نعم : المراد من الرؤية رؤية القلب كما سيأتي تحقيقها ، فالبصير يعبده على نحو مفاد - إنّ - فيعبده تحقيقا ، وغيره يعبده على مفاد - كأنّ - اطمينانا واعتقادا لا مشاهدة قلبيّة .
ومنها : أنّ غير البصير لما كان غير مهذب القلب ، وراكنا إلى الدنيا ومحبا لها ، وهو بعد أسير لصفات النفس ، فلا محالة تكون هذه الصفات مانعة عن ، استفادته البصيرة من الآيات ، توضيحه : إنه وإن قبل بعض المعارف ، بل واشتمل على بعضها أيضا ، لكنّه لمكان هذه الأوصاف لا يكاد تسري آثار أعمالهم الصالحة إلى القلب ، ليستفيدوا بها المعارف فلا تكون الصلاة لهم معراجا ، ولا موجبة لتركهم الفحشاء والمنكر على حسب حالهم ، ولا يكون وجود هذه الصفات بما هي مانعة عن تأثير العبادات في قلبهم ، وعدم تأمّلهم في الآيات إلا لضعف اليقين بالمبدأ والمعاد ، وإلا فلو عظم الخالق في أنفسهم لصغر ما دونه في أعينهم .
فلعمري إنّ الموجب الوحيد للتبصر هو التوجه إليه تعالى ، إلى أن يزول عن قلبه ما سواه ، رزقنا الله ذلك بمحمد وآله عليهم السّلام .
القسم الثاني
من القسمين المشار إليهما : من قد بلغ إلى غاية البصيرة وانفتحت
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 265
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٢٦٥