وقد يجاب على ذلك بجوابين :
أحدُهما : أنّا نستصحبُ سببيةَ الغليانِ للحرمة ، وهي حكمٌ وضعيٌّ فعليٌّ معلوم حدوثاً ومشكوكٌ بقاءً .
والردُّ على هذا الجواب : أنّه إن أريدَ باستصحاب السببيةِ إثباتُ الحرمةِ فعلًا فهو غيرُ ممكن ؛ لأنّ الحرمةَ ليست من الآثارِ الشرعيةِ للسببيةِ بل من الآثار الشرعيةِ لذاتِ السببِ الذي رتَّبَ الشارعُ عليه الحرمةَ ، وإن أُريد بذلك الاقتصارُ على التعبّدِ بالسببية فهو لغوٌ لأنها بعنوانها لا تصلحُ للمنجّزية والمعذّرية .
والجوابُ الآخرُ لمدرسة المحقّقِ العراقيّ ، وهو يقولُ : إنّ الاعتراضَ المذكورَ يقومُ على أساس أنّ المجعولَ لا يكونُ فعلياً إلّا بوجود تمامِ أجزاءِ الموضوع خارجاً ، فإنّه حينئذٍ يتعذّرُ استصحابُ المجعولِ في المقام ؛ إذ لم يُصبح فعلياً ليستصحب . ولكنَّ الصحيحَ : أنّ المجعولَ ثابتٌ بثبوت الجعل ؛ لأنّه منوطٌ بالوجود اللحاظيّ للموضوع ، لا بوجوده الخارجيّ ، فهو فعليٌّ قبل تحقّق الموضوعِ خارجاً .
وقد أردفَ المحقّقُ العراقيُّ ناقضاً على المحقّق النائيني بأنه : أليس المجتهدُ يُجري الاستصحابَ في المجعول الكلّيِّ قبلَ أن يتحقّقَ الموضوعُ خارجاً ؟ !
ونلاحظُ على الجواب المذكور : أنّ المجعولَ إذا لوحظ بما هو أمرٌ ذهنيٌّ فهو نفسُ الجعل المنوطِ بالوجودِ اللحاظيِّ للشرطِ وللموضوع على ما تقدّمَ في الواجب المشروط ، إلّا أنّ المجعولَ حينئذٍ لا يجري فيه استصحابُ الحكم بهذا اللحاظ إذ لا شكَّ في البقاء وإنّما الشكُّ في حدوثِ الجعلِ الزائدِ على ما عرفتَ سابقاً . . .
وإذا لوحظَ المجعولُ بما هو صفةٌ للموضوع الخارجيِّ فهو منوطٌ في هذا
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 7
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص٧