الاستصحاب أصل عملي أم أمارة ؟
والجواب : إن الاستصحاب أصل عملي ، وليس أمارة ؛ وذلك لأنّ الميزان في الأصل العملي هو أن لا يكون الملحوظ فيه قوّة الاحتمال محضاً ، سواء كان الملحوظ فيه قوّة المحتمل أو نكتة نفسية ؛ لأنّ النكتة النفسية قد لا تكون منطبقة إلّا على المدلول المطابقي للأصل ، فلا يلزم من التعبّد به التعبّد بلوازمه العقلية . فلو استصحبنا حياة زيد مثلًا ، فيمكن أن تكون النكتة النفسية ( وهي ميل الطبع الإنساني ) مختصّة ببقاء حياة زيد ، أما لازم الحياة ( وهو نبات اللحية لزيد ) ، فحيث إنّها لم تكن لها حالة سابقة ، فلا يميل الطبع الإنساني إلى إثباتها .
وبعبارة أخرى : إن الحكم الظاهري إما يثبت لقوّة الاحتمال والكشف ، وإما يثبت لقوّة المحتمل ، وإما يثبت لنكتة نفسية ، وعلى الأوّل يكون الحكم الظاهري أمارة ، وعلى الأخيرين يكون أصلًا عملياً .
الثمرة في كون الاستصحاب أصلًا أو أمارة
لا يخفى في وجود ثمرة مترتّبة بين القول بكون الاستصحاب أصلًا أو أمارة ، إذ على القول بأن الاستصحاب أمارة سوف تكون لوازمه العقلية حجّة ؛ لما تقدّم من أن النكتة الثبوتية في الأمارة ( وهي نكتة الكاشفية ) لها نسبة واحدة إلى كلّ من المدلول المطابقي والالتزامي ، كما تقدّم ، وعلى هذا يكون الاستصحاب حجّة في إثبات اللوازم العقلية .
أمّا على القول بأن الاستصحاب أصل عملي ، فلا تكون لوازمه العقلية حجّة ، لأنّ الملاك في الأصول العملية ليس الترجيح بدرجة الكاشفية وقوّة الاحتمال صرفاً ، بل الملاك فيها هو مدخلية نوعية الحكم المنكشف أو نوعية الكاشف ، سواء كان لقوّة الاحتمال والكاشفية دخل - كما في الأصول المحرزة - أم لا ، وعلى هذا الأساس فلا تثبت لوازمها العقلية على القاعدة ، إلّا إذا دلّ دليل من الخارج .