لثبوت المتعبّد به بالتعبّد الشرعي ، وذلك كالأمارات بالنسبة إلى الأصول الشرعية التي منها الاستصحاب ، فإنّه بعد ثبوت ارتفاع المتيقّن السابق بالتعبّد الشرعي لا يبقى موضوع للاستصحاب ، إذ موضوعه الشك ، وقد ارتفع تعبّداً ، وإن كان باقياً وجداناً لعدم كون الأمارة مفيدة للعلم على الفرض . وكذا سائر الأصول الشرعية ، فإنّه بعد كون الأمارة علماً تعبّدياً ؛ لما في تعبير الأئمة عليهم السلام عمن قامت عنده الأمارة بالعارف والفقيه والعالم ، لا يبقى موضوع لأصل من الأصول الشرعية تعبّداً .
فتحصّل مما ذكرناه : أن تقديم الأمارات على الاستصحاب ليس من باب الورود ، إذ بمجرّد ثبوت التعبّد بالأمارة لا يرتفع موضوع التعبّد بالاستصحاب ، لكونه الشكّ وهو باق بعيد قيام الأمارة على الفرض ، بل تقديمها عليه إنّما هو من باب الحكومة التي مفادها عدم المنافاة حقيقة بين الدليل الحاكم والمحكوم عليه « 1 » .
إذن هذا الوجه ينفع في تقدّم الأمارات على الأصول ، وهو بحث مرتبط بعالم الدلالة والإثبات ولسان الأدلّة ، ولم يبيّن لنا الفرق الواقعي بين أمارية الأمارة وأصلية الأصل الذي هو مرتبط بعالم الثبوت وروح الحكم .
وهكذا يتّضح أن الوجوه المتقدّمة لم تقدّم لنا فرقاً جوهرياً حقيقياً بين الأمارات والأصول .
الوجه الرابع : ملاك الحجّية في الأمارة هوحيثية الكشف التكويني
وهو الوجه الذي تبناه الشهيد كما تقدّم آنفاً ، وتقدّم مفصّلًا في القسم الأوّل من الحلقة الثالثة « 2 » وحاصله : أن الضابطة المعتمدة للتمييز بين الأمارات والأصول وكيفية إعمال المولى لحفظ الأغراض الواقعية تتمّ بثلاثة طرق :
هامش
( 1 ) مصباح الأصول : ج 3 ، ص 252 .
( 2 ) الحلقة الثالثة ، القسم الأوّل : ص 73 .