وحاصله : أن الأمارة هي الحكم الظاهري الذي لم يؤخذ في موضوعها الشكّ في مقام جعله ، بخلاف الأصل الذي هو الحكم الشرعي الذي أُخذ في موضوعه قيد الشكّ في مقام جعله . فحديث ( رُفع ما لا يعلمون ) و ( لا تنقض اليقين بالشك ) قد أخذ الشكّ في موضوع الحكم ، وعلى هذا يكون أصلًا عملياً ، بخلاف الأمارة التي لم يؤخذ الشكّ في موضوعها .
وبهذا يتّضح الفرق بين هذا الوجه وسابقه ، ففي الوجه الأوّل كان التفريق بينهما بلحاظ سنخ المجعول الإنشائي ، فإن كان المجعول هو الكاشفية الطريقية فهو أمارة ، وإن كان المجعول هو الجري العملي وبيان الوظيفة العملية كان أصلًا عملياً ، فالفرق بلحاظ المجعول ، أمّا في الوجه الثاني فالفرق بينهما بلحاظ عالم الثبوت قبل الوصول إلى عالم الدلالة .
وإلى هذا الوجه أشار الميرزا النائيني قدس سرة بقوله : " . . . وتحقيق الكلام في ذلك يستدعي بيان ما تمتاز به الأمارات عن الأصول موضوعاً وحكماً .
أمّا امتيازها من حيث الموضوع فبأمور : الأوّل : عدم أخذ الشكّ في موضوع الأمارة وأخذه في موضوع الأصل ، فإنّ التعبّد بالأصول العملية إنّما يكون في مقام الحيرة والشكّ في الحكم الواقعي ، فقد أُخذ الشكّ في موضوع أدلّة الأصول مطلقاً ، محرزة كانت أو غير محرزة ، بخلاف الأمارات ، فإن أدلّة اعتبارها مطلقة لم يؤخذ الشكّ قيداً فيها ، كقوله ( ع ) : العمري ثقة فما أدّى إليك عني فعنّي يؤدي « 1 » .
مناقشة الوجه الثاني
يمكن توجيه عدة مناقشات على هذا الوجه منها :
المناقشة الأولى : إن أخذ الشكّ في موضوع حجّية الأصل دون الأمارة لا يبيّن لنا لماذا تكون اللوازم العلمية للأمارة حجّة دون لوازم الأصل ، إذ لا
هامش
( 1 ) فوائد الأصول : ج 4 ، ص 481 .