والطريقُ الآخرُ لإثبات السنّة هو السيرةُ ؛ وذلك بتقريبين :
الأوّل : الاستدلالُ بسيرة المتشرّعة من أصحاب الأئمّةِ على العمل بأخبار الثقات ، وقد تقدّمَ في الحلقة السابقةِ بيانُ الطريق لإثبات هذه السيرة ، كما تقدّمَ كيفيةُ استكشاف الدليلِ الشرعيِّ عن طريق السيرة ، سواءً كانت سيرةُ أولئك المتشرّعة على ما ذكرناه بوصفهم الشرعيّ ، أو بما هم عقلاء .
الثاني : الاستدلالُ بسيرة العقلاء على التعويل على أخبار الثقات ، وذلك أنّ شأنَ العقلاء - - سواءٌ في مجال أغراضهم الشخصية التكوينية ، أو في مجال الأغراض التشريعية وعلاقات الآمرين بالمأمورين - - العملُ بخبر الثقة ، والاعتمادُ عليه ، وهذا الشأنُ العامُّ للعقلاء يوجبُ قريحةً وعادةً لو تُركَ العقلاءُ على سجيَّتهم لأعملوها في علاقاتهم مع الشارع ، ولعوَّلوا على أخبار الثقاتِ في تعيين أحكامه . وفي حالةٍ من هذا القبيل : لو أنّ الشارعَ كان لا يقرُّ حجّيةَ خبر الثقةِ لتعيّنَ عليه الردعُ عنها ؛ حفاظاً على غرضه . فعدمُ الردع حينئذٍ ، معناهُ : التقريرُ ، ومؤدّاهُ : الإمضاء .
والفارقُ بين التقريبين : أنّ التقريبَ الأوّلَ يتكفَّلُ مؤونةَ إثباتِ جَريِ أصحابِ الأئمَّةِ فعلًا على العمل بخبر الثقة ،
بينما التقريبُ الثاني لا يدَّعي ذلك ، بل يكتفي بإثبات الميلِ العقلائيِّ العامِّ إلى العمل بخبر الثقة ، الأمرُ الذي يفرضُ على الشارع الردعَ عنه - - على فرض عدمِ الحجّية - - لئلّا يتسرّبَ هذا الميلُ إلى مجالِ الشرعيّات .
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 144
مساهمون: الشيخ حيدر اليعقوبي
ص١٤٤