إلغاء خصوصية الاستعلاء حتى لو قلنا بدخلها في مفهوم الأمر لغة ، فلا تبقى هذه الثمرة الفقهية أيضاً لمثل هذا البحث .
وكيف كان ، فهو بحث في نفسه ، من أنه ما هو المعتبر : العلوّ أم العلوّ والاستعلاء أم الجامع ما بينهما ؟ الظاهر بمراجعة الاستعمالات العرفية أنه يعتبر العلوّ بلا إشكال ؛ لأنّ الطلب إذا صدر من غير العالي إلى مساويه أو إلى من هو أعلى منه لا يسمّى أمراً ، حتى لو كان مستعلياً ، فلا إشكال في كفاية العلوّ في نفسه ، وإن كان لسان الأمر استراحاماً .
وأما الاستعلاء فالظاهر عدم اعتباره في المقام ، بحسب الاستعمالات العرفية ، فإذا كان مستعلياً - أي مدّعياً للعلوّ - فهو مدّعٍ لقابلية الطلب بادّعائه للعلو ، فكأنه يدّعي صدور الأمر منه ، لأن الأمر متقوّم بالعلو ، فإذا ادّعى أنه عالٍ فهو يدّعي أن هذا أمر ، لا أنه يكون أمراً حقيقة ، ومنه يظهر أن دعوى الجامع بين العلوّ والاستعلاء أيضاً ساقطة ، فإن الظاهر أن الاستعلاء لا يُغني عن العلوّ « 1 » .
الجهة الرابعة : دلالة صيغة الأمر على الطلب التشريعي
تقدّم أنّ مادّة الأمر وصيغته تدلّان على الطلب التشريعي الصادر من العالي - بحكم العقل - إلى الداني ، ولكن مادّة الأمر تدلّ عليه بنحو المعنى الاسمي ، بينما صيغة الأمر تدلّ عليه بنحو المعنى الحرفي .
توضيح ذلك : إنّ صيغة فعل الأمر إما أن تدلّ على النسبة الطلبية ، وإما على النسبة الإرسالية ، فإذا قلنا إنّها دالة على النسبة الطلبية فمن أوضح مصاديقها الطلب الحقيقي ؛ لأنّ النسبة الطلبية تُنتزع من الطلب . وأما إذا قلنا إنّ هيئة فعل الأمر دالة على النسبة الإرسالية التي تؤخذ من الإرسال في قبال
هامش
( 1 ) انظر : تمهيد في مباحث الدليل اللفظي ، مصدر سابق : ج 4 ، ص 21 ، 22 . ( بتصرّف ) .