وهذا ما يفسّر لنا رواج السيرة العقلائية في كتب المتأخّرين بخلافه في كلمات السابقين حيث لم تلق هذا الرواج ، وهذا يرجع إلى معالجة تلك الحالة النفسية التي أُشير إليها .
والحاصل أنّ تلك الحالة النفسية هي التي كانت تمنع الفقيه عن هدم تلك المسلّمات ، ولكن الذوق الاستدلالي للفقيه كان يمنعه أن يقول : إنّ تلك الحالة هي الدليل فحاول أن يؤسّس أدلّة علمية لإثبات تلك المدّعيات » « 1 » .
ومن هنا احتل بحث السيرة العقلائية موقعاً مهمّاً وأصبح إحدى الدعائم الأساسية ، التي يتشكّل منها ملامح العصر الثالث من عصور علم الأصول ، بل بلغ أوجه على يد الشهيد الصدر .
يقول السيد الحائري في مقدّمة تقريرات بحث السيد الأستاذ : « ما جاء في البحث الرائع لسيرة العقلاء وسيرة المتشرّعة ، فقد تكرّر لدى أصحابنا المتأخّرين التمسّك بالسيرة لإثبات حكم ما ، ولكن لم يسبق أحد أستاذنا في ما أعلم - في بحثه للسيرة وإبراز أسسها والقوانين التي تتحكّم فيها ، والنكات التي ينبني الاستدلال بها على أساسها ، بأسلوب بديع ومنهج رفيع وبيان متين » « 2 » .
ويقول السيد الهاشمي وهو تلميذ آخر من تلامذته المبرزين : « والواقع أن الاستدلال بالسيرة لم يقتصر على خصوص المسائل الأصولية وفي باب الأمارات ، بل شاع ذلك في الفقه أيضاً ، خصوصاً في مثل أبواب المعاملات التي يكون للعقلاء تقنين فيها . بل الملحوظ اتساع دائرة الاستدلال بها كلّما تقلّصت الأدلّة التي كان يعوّل عليها سابقاً لإثبات المسلّمات والمرتكزات الفقهية من أمثال الإجماع المنقول والشهرة وإعراض المشهور عن خبر صحيح أو عملهم بخبر
هامش
( 1 ) ما قرّرناه عن الأستاذ الشهيد في مجلس الدرس
( 2 ) مباحث الأصول ، مصدر سابق : ج 1 ص 59 .