وهذا هو مراد السيد الشهيد في البحث اللاحق ، حيث قال : « إنّ الأحكام الظاهرية طريقية لا حقيقية ، فهي مجرّد وسائل وطرق لتسجيل الواقع المشكوك وإدخاله في عهدة المكلّف ، ولا تكون هي بنفسها موضوعاً مستقلًا للدخول في العهدة ، لعدم استقلالها بمبادئ في نفسها ، وأمّا الأحكام الواقعية فهي أحكام حقيقية لا طريقية ، بمعنى أنّ لها مبادئ خاصّة بها ، ومن أجل ذلك تشكّل موضوعاً مستقلًا للدخول في العهدة ولحكم العقل بوجوب امتثالها واستحقاق العقاب على مخالفتها » .
وليس هذا مختصّاً بالأحكام الظاهرية الإلزامية وإنّما هو كذلك في الخطابات الظاهرية الترخيصية كقوله : « كلّ شيء لك حلال » ، أو « رفع ما لا يعلمون » ، ونحوهما ، فهي إنّما تؤتي أثرها باعتبار كونها بياناً ودالًّا بالدلالة التصديقية على إبراز أنّ المولى لا يهتمّ بالواقع المشكوك على تقدير وجوده ، بل يرضى بفواته من الشاك حتى لو كان ثابتاً في الواقع ، وهذا معنى أنّ الخطاب الظاهري إذا كان ترخيصياً فإنّه يُخرج التكليف عن دائرة حقّ الطاعة ولا يحكم العقل بوجوب امتثاله ، نعم يبقى الكلام في أنّه كيف يمكن أن يكون هناك واقع ثابت ومع ذلك لا يهتمّ المولى به ، فهذا ما أجبنا عنه في مبحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي .
إلا أنّ القوم لهم تصوّر آخر في حقيقة الحكم الظاهري وهو أن التنجيز والتعذير إنّما هو باعتبار ما هو المجعول في الحكم الظاهري ، من هنا اختلفت النتائج المترتّبة على هذين المسلكين في بيان العلاقة التي تحكم الخطابات الظاهرية .
مسلك السيد الخوئي ( قدس سره )
بناءً على مسالك القوم من افتراض المصلحة في نفس جعل الحكم الظاهري ، فإنّه لا يقع تنافٍ بين الخطابين الظاهريين - على حدّ التنافي بين