أحدهما
من سنخ الأحكام الواقعية ، والآخر من سنخ الأحكام الظاهرية ، فلا محذور في اجتماعهما ، وإنّما المستحيل أن يجتمع في واقعة واحدة وجوب واقعيّ وإباحة واقعية » « 1 » .
وهذا كلام صوريّ لا يكفي لدفع الإشكال إذا لم يعطَ مضموناً محدّداً ؛ لأنّ مجرّد اختلاف التسمية لا يخرجهما عن كونهما حكمين من الأحكام التكليفية ، وهي متضادّة ، فلابدّ من إبراز الفرق بين مضمون وروح الحكم الواقعي عن مضمون وروح الحكم الظاهري .
توضيح ذلك : حكم الماء في ذاته الإباحة ، أمّا بلحاظ أنّه منذور - وقلنا إنّ هذا النذر ينعقد - يصبح واجباً ، فلو قيل كيف يكون شرب الماء واجباً ومباحاً ؟ فلا يكفي أن نقول - في مقام الجواب - أنّه يوجد حكمان أحدهما أوّلي والآخر ثانويّ ، فإنّ صرف اختلاف التسمية غير كافٍ ما لم تبرز نكتة تكشف عنها التسمية ، وهذه النكتة هي أن تقول : إنّ الإباحة في الحكم الأوّلي ثابتة للماء بعنوان أنّه ماء ، والوجوب في الحكم الثانوي ثابت للماء بعنوان أنّه منذور ، فمعروض الإباحة غير معروض الوجوب ، فاختلف الموضوع ، واجتماع الضدّين محال في صورة وحدة الموضوع .
في ما نحن فيه - أيضاً - اختلاف التسمية لا يدفع الإشكال ؛ بل لابدّ من إبراز فارق جوهريّ بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري بسببه لم يجتمع الضدّان ، من هنا نستطيع القول إنّ المحاولة التي ذكرت في الحلقة الثانية قابلة للانطباق على جميع المحاولات الآتية التي ذكرت لدفع الشبهة أعلاه ؛ باعتبار أنّ في كلّ محاولة من المحاولات الآتية يبرز صاحبها فرقاً بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري ، وبسبب هذا الفرق وهذه النكتة لم يجتمع الضدّان .
هامش
( 1 ) دروس في علم الأصول ، الحلقة الأولى والثانية ، مصدر سابق : ص 150 .