انتهى مؤنس إلى البردان ، خرج اليه القواد وغيرهم مستأمنين اليه ، مثل مفلح وبدر الحمال وأبو على كاتب بشر الافشينى وابن هود وجماعه وبقي الغلمان الحجرية على الوزير وابن الخال في الشعيبي يطالبونهما بالمال والزيادة لما علموا به من اقبال مؤنس .
وكتب مؤنس إلى المقتدر كتبا يقول فيها : لست بعاص لأمير المؤمنين ولا شققت عصاه ، وانما تنحيت عنه لمطالبه أعدائي لي عنده ، وقد جئت إلى بابه برجاله ، وليسن مذهبي الفتن ولا اراقه الدماء ، وقد بلغني ان مولاي يحمل على محاربتي ، ولاحظ في ذلك للفريقين ، بل فيه الشتات والفرقة وذهاب العدد وحدوث البلاء ، وفناء الرجال ، فيأمر مولاي للجند الذين معي بأرزاقهم فندفع إليهم ، ثم يصيرون اليه وتطيب نفوسهم عليه .
فأصغى المقتدر إلى قوله وسربه ، وقيل إنه اصطبح مفلح وابن الخال في دورهما سرورا بذلك ثم قال للمقتدر ابنا رائق وياقوت ومفلح وغيرهم ، ممن كان يكره مؤنسا ، ولا يريد رجوعه : هذا عجز منك ، ونقص بك ، ولعلها حيله عليك وخدعه لك ، وحمل على اخراج مضاربه إلى باب الشماسية والعزم على قتاله ، وقالوا له : لو قد رآك كل من مع مؤنس لانصرفوا عنه ، وتركوه وحده ، واخذوه في ذلك بالوعيد والترهيب ، فأخرج المقتدر مضاربه إلى الشماسية يوم الثلاثاء لأربع بقين من شوال وخرج بنفسه يوم الأربعاء لثلاث بقين منه بعد ان توضأ للصلاة ، وبرز إلى دار العامة ، فصلى بها ، وكان كارها للخروج ومتثبطا فيه ، وانما خرج مكرها حتى لقد حدثت بأنهم قالوا له : ان خرجت معنا إلى حرب مؤنس والا تقربنا بك اليه .
وحدث ذكى عن المقتدر انه رأى في الليلة التي خرج في صبيحتها إلى مؤنس كان النبي ص كان يقول له : يا جعفر ، اجعل إفطارك الليلة عندي ، ففزع له وحدث به والدته ، فجهدت به الا يخرج ، وكشفت عن ثدييها ، وبكت ، فغلب القضاء ونزل البلاء .
قال : فحدثني أحد خلفاء الحجاب ممن أثق به ، قال : رايت المقتدر قبل خروجه إلى مؤنس في دار العامة وابن رائق يستحثه ويقول له : عجل يا سيدي ليراك الناس ، فقال له : إلى اين اعجل يا وجه الشؤم ! قال : وحدثني ابن زعفران عن تكين الخادم ان المقتدر لما عمل على الخروج
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف ) — صفحة 149
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٤٩