المنابذة ، وترك التطويل ؟
فتكلم عمرو بن ثبى - وكان أكبر الناس يومئذ سنا ، وكانوا انما يتكلمون على الأسنان - فقال : التحصن عليهم أشد من المطاوله عليكم ، فدعهم ولا تحرجهم وطاولهم ، وقاتل من أتاك منهم ، فردوا عليه جميعا رايه .
وقالوا : انا على يقين من انجاز ربنا موعده لنا .
وتكلم عمرو بن معديكرب ، فقال : ناهدهم وكاثرهم ولا تخفهم .
فردوا عليه جميعا رايه ، وقالوا : انما تناطح بنا الجدران ، والجدران لهم أعوان علينا .
وتكلم طليحة فقال : قد قالا ولم يصيبا ما أرادا ، واما انا فأرى ان تبعث خيلا مؤديه ، فيحدقوا بهم ، ثم يرموا لينشبوا القتال ، ويحمشوهم ، فإذا استحمشوا واختلطوا بهم وأرادوا الخروج ارزوا إلينا استطرادا ، فانا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم ، وانا إذا فعلنا ذلك ورأوا ذلك منا طمعوا في هزيمتنا ولم يشكوا فيها ، فخرجوا فجادونا وجاددناهم ، حتى يقضى الله فيهم وفينا ما أحب .
فامر النعمان القعقاع بن عمرو - وكان على المجردة - ففعل ، وانشب القتال بعد احتجاز من العجم ، فانغضهم فلما خرجوا نكص ، ثم نكص ، ثم نكص ، واغتنمها الأعاجم ، ففعلوا كما ظن طليحة وقالوا : هي هي ، فخرجوا فلم يبق أحد الا من يقوم لهم على الأبواب ، وجعلوا يركبونهم حتى أرز القعقاع إلى الناس ، وانقطع القوم عن حصنهم بعض الانقطاع ، والنعمان ابن مقرن والمسلمون على تعبيتهم في يوم جمعه في صدر النهار ، وقد عهد النعمان إلى الناس عهده ، وامرهم ان يلزموا الأرض ولا يقاتلوهم حتى يأذن لهم ، ففعلوا واستتروا بالحجف من الرمي ، واقبل المشركون عليهم يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراحات ، وشكا بعض الناس ذلك إلى بعض ، ثم قالوا للنعمان : الا ترى ما نحن فيه ! الا ترى إلى ما لقى الناس ، فما تنتظر بهم !
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف ) — صفحة 130
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١٣٠