فإنها المهالك الا ما دفع الله ، ابغنى عشرين جزورا عظاما سمانا مسان .
فأتاه بهن خالد ، فعمد إليهن رافع فظماهن ، حتى إذا اجهدهن عطشا اوردهن فشربن حتى إذا تملان عمد إليهن ، فقطع مشافرهن ، ثم كعمهن لئلا يجتررن ، ثم اخلى ادبارهن .
ثم قال لخالد : سر ، فسار خالد معه مغذا بالخيول والأثقال ، فكلما نزل منزلا افتظ أربعا من تلك الشوارف ، فاخذ ما في اكراشها ، فسقاه الخيل ، ثم شرب الناس مما حملوا معهم من الماء ، فلما خشي خالد على أصحابه في آخر يوم من المفازة قال لرافع بن عميرة وهو أرمد : ويحك يا رافع ! ما عندك ؟ قال أدركت الري إن شاء الله ، فلما دنا من العلمين ، قال للناس : انظروا هل ترون شجيره من عوسج كقعده الرجل ؟ قالوا : ما نراها .
قال :
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ !
هلكتم والله إذا وهلكت ، لا ابالكم ! انظروا ، فطلبوا فوجدوها قد قطعت وبقيت منها بقية ، فلما رآها المسلمون كبروا وكبر رافع بن عميرة ، ثم قال : احفروا في أصلها ، فحفروا فاستخرجوا عينا ، فشربوا حتى روى الناس ، فاتصلت بعد ذلك لخالد المنازل ، فقال رافع :
والله ما وردت هذا الماء قط الا مره واحده ، وردته مع أبى وانا غلام ، فقال شاعر من المسلمين :
لله عينا رافع انى اهتدى * فوز من قراقر إلى سوى !
خمسا إذا ما سارها الجيش بكى * ما سارها قبلك انسى يرى
فلما انتهى خالد إلى سوى ، أغار على أهله - وهم بهراء - قبيل الصبح ، وناس منهم يشربون خمرا لهم في جفنه قد اجتمعوا عليها ، ومغنيهم يقول :
ا لا عللانى قبل جيش أبى بكر * لعل منايانا قريب وما ندري