وفد عاد على معاوية بن بكر أقاموا عنده شهرا يشربون الخمر ، وتغنيهم الجرادتان - قينتان لمعاوية بن بكر - وكان مسيرهم شهرا ، ومقامهم شهرا ، فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم ، وقد بعثهم قومهم يتغوثون بهم من البلاء الذي أصابهم ، شق ذلك عليه فقال : هلك اخوالى واصهارى وهؤلاء مقيمون عندي ، وهم ضيفي نازلون على ، والله ما ادرى : كيف اصنع بهم ! استحى ان آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا اليه ، فيظنوا انه ضيق منى بمقامهم عندي ، وقد هلك من وراءهم من قومهم جهدا وعطشا ، أو كما قال .
فشكا ذلك من امرهم إلى قينتيه الجرادتين ، فقالتا : قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله ، لعل ذلك ان يحركهم ! فقال معاوية بن بكر حين اشارتا عليه بذلك :
الا يا قيل ، ويحك قم فهينم * لعل الله يسقينا غماما
فيسقى ارض عاد ، ان عادا * قد أمسوا لا يبينون الكلاما
من العطش الشديد ، فليس نرجو * به الشيخ الكبير ولا الغلاما
وقد كانت نساؤهم بخير * فقد أمست نساؤهم عيامى
وان الوحش تأتيهم جهارا * ولا تخشى لعادى سهاما
وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم * نهاركم وليلكم التماما
فقبح وفدكم من وفد قوم * ولا لقوا التحيه والسلاما !
فلما قال معاوية ذلك الشعر ، غنتهم به الجرادتان . فلما سمع القوم ما غنتا به ، قال بعضهم لبعض : يا قوم انما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم ، وقد أبطأتم عليهم ، فأدخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم ، فقال مرثد بن سعد بن عفير : انكم والله لا تسقون بدعائكم ، ولكن ان أطعتم