سينا ، كما أنكر الفارابي من قبل ، التنجيم ، ويرفض ما لا يصح من أحكام النجوم « 1 » . وكيفما كان سير الكون وانتظامه ، فإنه لا يتعارض مع القضاء الأزلي في شئ لأن هذا القضاء « هو الفعل الأولى الإلهى الواحد المستعلى على الكل ، الذي منه ، تنشعب المقدورات « 2 » » . * * * يبدو ابن سينا هنا أيضا مشائيا مخلصا ، يأخذ عن أرسطو أولا ، وقد يضم إليه ما أضافه المشاءون . على أنه لا يتردد في أن يناقش هؤلاء ، ويرفض ما لا يقره من آرائهم ، وفي هذا ما يدعوه إلى البسط والتطويل أحيانا . وفي الكتاب الذي نقدم له أربعة فصول تدور حول شكوك أثارها شراح أرسطو السابقون ، ويحرص ابن سينا على مناقشتهم والفصل في مواطن الخلاف « 3 » ، فيعرض مثلا لذلك الرأي القائل بأن البخار من طبيعة أخرى غير طبيعة الماء والهواء « 4 » وهناك مسائل لا تقبل التردد في نظره ، وهي تلك التي تتصل بالتعاليم الدينية ، فيقطع بأن نظام الكون لا يتعارض مع القضاء والقدر ، وبأنا لا نستطيع أن نكشف حجب الغيب ، ولا أن تتكهن بالمستقبل في تفصيل ودقة .
( ء ) كتاب الأفعال والانفعالات :
هو الفن الرابع من طبيعيات الشفاء ، ويقع في مقالتين ، تحت أولاهما تسعة فصول ، وتحت الثانية فصلان ، ولا يبدو في وضوح لم قسمه إلى مقالتين مع أن الموضوع متصل ، والكتاب كله أصغر حجما من كل من الكتابين السابقين . وليس في قوائم كتب أرسطو التي وصلتنا عنوان شبيه بهذا العنوان ، اللهم إلا إشارة غير صريحة في قائمة ديوجين اللائرسى ، ويمكن أن تصدق على « كتاب الكون والفساد » . « 5 » على أن فكرة الفعل والانفعال شائعة في فلسفة أرسطو ، وتكاد ترد في كتبه الطبيعية جميعها ، ولها شأن في تفسير الكون والفساد أشرنا إليه من قبل « 6 » . وكتاب ابن سينا الذي نقدم له يرجع في أغلبه