عواقبه في الدنيا والآخرة فأمسكوا عن ذلك وكرهوه . فلما قرأ المنصور كتابه غضب وقرأه على الناس ، فعاد القواد والجند لأشدّ ما كانوا عليه ، وكان أشدّ الناس في ذلك قولا أسد بن المرزبان ونصر بن حرب وعقبة بن سلم ، وكانوا يأتون باب عيسى فيمنعون من أن يدخل اليه أحد ويمشون حوله ويسيرون إذا ركب ويقولون :
أنت البقرة التي قال الله : « فذبحوها وما كادوا يفعلون » [ 1 ] . فشكاهم إلى المنصور فقال : إن هؤلاء قوم قد غلب عليهم حبّ هذا الفتى حتى سيط بدمائهم واجتمعت عليه آراؤهم ، وأنا والله يا ابن أخي وحبيب قلبي أخافهم عليك وعلى نفسي فلو قدّمته بين يديك حتى يكون بيني وبينك لكفّوا وأنا لك ناصح وأنت أعلم . وذكروا أنه دسّ إلى عيسى شربة سمّ فافلت منها ، فقال يحيى بن زياد بن أبي حزابة [ 2 ] البرجمي الشاعر :
أفلتّ من شربة الطبيب كما
أفلت ظبي الصريم من قبره
من قانص يقنص الفريص [ 3 ] إذا
ركَّب سهم الحتوف في وتره
دافع عنك المليك صولته [ 4 ]
بكفّ [ 5 ] ليث يزمر في خمره
حين أتانا وفيه شربته [ 6 ]
تعرف في سمعه وفي بصره
ازعر قد طار عن [ 7 ] مفارقه
وحف أثيث النبات من شعره
ودخل سلم بن قتيبة على عيسى فقال له : أيها الرجل بايع هذا الأمير وقدّمه
فإنك لن تخرج من الأمر وأرض عمك ، قال : أو ترى ان افعل ! قال : نعم ، قال : فإني افعل ، فاتى سلم المنصور فأعلمه بذلك فسرّ به وعظم له قدر سلم عنده . ودعا المنصور الناس إلى البيعة فتكلم عيسى وسلَّم الأمر إلى المهدي وصار بعده ، وخطب المنصور فشكر عيسى على ما كان منه وذكر انه التالي للمهدي عنده في موضعه من قلبه وحاله عنده ، ووهب له مالا عظيما وأقطعه قطائع خطيرة نفيسة وولَّاه الأهواز والكوفة وطساسيجها . فلما استخلف أمير المؤمنين المهدي ورأى
هامش
[ 1 ] سورة البقرة ( 2 ) ، الآية 71 .
[ 2 ] في اشعار أولاد الخلفاء ص 309 : جراية ، وترد فيه الآيات .
[ 3 ] م : يقبض ، وفي اشعار أولاد الخلفاء : من قابض يقبض العريض .
[ 4 ] اشعار أولاد الخلفاء : دافع عنه العظيم قدرته .
[ 5 ] ن . م . : صولة .
[ 6 ] ن . م . : حتى أتانا ونار شربته .
[ 7 ] ط : من .