تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
وقوله :
بمطرد لدن صحاح كعوبه * وذي رونق عضب يقد القوانسا
وقال الجمهور : الإفراد أولى والقياس معهم ، وعليه قوله :
ورجال حسن أوجههم * من إياد بن نزار بن معد
وقيل : إن تبع مفردا فالإفراد أولى - كرجل قائم غلمانه - وإن تبع جمعا فالجمع أولى - كرجال قيام غلمانهم - وأما التثنية والجمع السالم فعلى لغة أكلوني البراغيث ؛ وجوز أن يكون في
خُشَّعاً
ضمير مستتر ، و
أَبْصارُهُمْ
بدلا منه ، وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد والجحدري وأبو عمرو وحمزة والكسائي - خاشعا - بالإفراد ، وقرأ أبيّ وابن مسعود « خاشعة » وقرئ « خشع » على أنه خبر مقدم ، و
أَبْصارُهُمْ
مبتدأ ، والجملة في موضع الحال ، وقوله تعالى :
كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ
حال أيضا وتشبيههم بالجراد المنتشر في الكثرة والتموج والانتشار في الأقطار ، وجاء تشبيههم بالفراش المبثوث ولهم يوم الخروج سهم من الشبه لكل ، وقيل : يكونون أولا كالفراش حين يموجون فزعين لا يهتدون أين يتوجهون لأن الفراش لا جهة لها تقصدها ، ثم كالجراد المنتشر إذا توجهوا إلى المحشر فهما تشبيهان باعتبار وقتين ، وحكي ذلك عن مكي بن أبي طالب .
مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ
مسرعين إليه قال أبو عبيدة : وزاد بعضهم مادّي أعناقهم ، وآخر مع هز ورهق ومدّ بصر ، وقال عكرمة : فاتحين آذانهم إلى الصوت ، وعن ابن عباس ناظرين إليه لا تقلع أبصارهم عنه وأنشد قول تبع :
تعبدني نمر بن سعد وقد أرى * ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع
وفي رواية أنه فسره بخاضعين وأنشد البيت ، وقيل : خافضين ما بين أعينهم ، وقال سفيان : شاخصة أبصارهم إلى السماء ، وقيل : أصل الهطع مد العنق ، أو مد البصر ، ثم يكنى به عن الإسراع ، أو عن النظر والتأمل فلا تغفل ،
يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ
صعب شديد لما يشاهدون من مخايل هوله وما يرتقبون من سوء منقلبهم فيه ، وفي إسناد القول المذكور إلى الكفار تلويح بأنه على المؤمنين ليس كذلك .

[ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 9 إلى 21 ]

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ( 9 ) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ( 10 ) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 ) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ( 13 ) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ( 14 ) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 15 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 16 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 17 ) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 18 ) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ( 19 ) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ( 20 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 21 )
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ
شروع في تعداد بعض ما ذكر من الأنبياء الموجبة للازدجار ؛ ونوع تفصيل لها وبيان لعدم تأثرهم بها تقريرا لفحوى قوله تعالى :
فَما تُغْنِ النُّذُرُ
والفعل منزل منزلة اللازم أي فعلت التكذيب قبل تكذيب قومك قوم نوح : وقوله تعالى :
فَكَذَّبُوا عَبْدَنا
تفسير لذلك التكذيب المبهم كما في قوله تعالى :
وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ
[ هود : 45 ] إلخ ، وفيه مزيد تحقيق وتقرير للتكذيب ، وجوز أن يكون المعنى كذبوا تكذيبا إثر تكذيب كلما خلا منهم قرن مكذب جاء عقيبه قرن آخر مكذب مثله ، أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا أي لما كانوا مكذبين للرسل جاحدين للنبوة رأسا كذبوا نوحا لأنه من جملة الرسل ، والفاء عليه سببية ، وقيل : معنى كذبت قصدت التكذيب وابتدأته ، ومعنى فكذبوا أتموه وبلغوا نهايته كما قيل في قوله :