منها ذات حبك بمعنى مستوية الخلق جيدته ، أو متقنة البنيان أو صفيقة ، أو ذات طرق معقولة ظاهر ، وأما كون كل منها كذلك بمعنى ذات طرق محسوسة فباعتبار أن الكواكب في أي سماء كانت تسير مسامتة لسائر السماوات ، فممراتها باعتبار المسامتة طرق ، وبمعنى ذات النجوم فباعتبار أن النجوم في أي سماء كانت تشاهد في سائر السماوات بناء على أن السماوات شفافة لا يحجب كل منها إدراك ما وراءه ،
وأخرج ابن منيع عن علي كرم اللّه تعالى وجهه أنه قال : هي السماء السابعة
، وعن عبد اللّه بن عمرو مثله فتدبر ولا تغفل .
وقرأ ابن عباس والحسن بخلاف عنه وأبو ممالك الغفاري وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو السمال ونعيم عن أبي عمرو « الحبك » بإسكان الباء على زنة القفل ، وعكرمة بفتحها جمع حبكة مثل طرفة وطرف وبرقة « 1 » وبرق ، وأبو مالك الغفاري والحسن بخلاف عنه أيضا بكسر الحاء والباء - كالإبل - وهو على ما ذكر الخفاجي اسم مفرد ورد على هذا الوزن شذوذا وليس جمعا ، وأبو مالك والحسن وأبو حيوة أيضا بكسر الحاء وإسكان الباء - كالسلك - وهو تخفيف فعل مكسور الفاء والعين وهو اسم مفرد لا جمع لأن فعلا ليس من أبنية الجموع - قاله في البحر - وابن عباس وأبو مالك أيضا بفتحهما - كالجبل - قال أبو الفضل الرازي : فهو جمع حبكة مثل عقبة وعقب ، والحسن أيضا بكسر الحاء وفتح الباء كالنعم ، وأبو مالك أيضا بكسر الحاء وضم الباء وذكرها ابن عطية عن الحسن أيضا ثم قال : هي قراءة شاذة غير متوجهة وكأنه بعد أن كسر الحاء توهم قراءة الجمهور فضم التاء « 2 » وهذا من تداخل اللغات وليس في كلام العرب هذا البناء أي لأن فيه الانتقال من خفة إلى ثقل على عكس ضرب مبنيا للمفعول ، وقال صاحب اللوامح : هو عديم النظير في العربية في أبنيتها وأوزانها ولا أدري ما وراءه انتهى .
وعلى التداخل تأول النحاة هذه القراءة ، وقال أبو حيان : الأحسن عندي أن يكون ذلك مما أتبع فيه حركة الحياء لحركة تاء
ذاتِ
في الكسر ولم يعتد باللام الساكنة لأن الساكن حاجز غير حصين .
إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ
أي متخالف متناقض في أمر اللّه عزّ وجل حيث تقولون : إنه جل شأنه خالق السماوات والأرض وتقولون بصحة عبادة الأصنام معه سبحانه ، وفي أمر الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم فتقولون تارة : إنه مجنون ، وأخرى : إنه ساحر ولا يكون الساحر إلا عاقلا ، وفي أمر الحشر فتقولون : تارة لا حشر ولا حياة بعد الموت أصلا ، وتزعمون أخرى أن أصنامكم شفعاؤكم عند اللّه تعالى يوم القيامة إلى غير ذلك من الأقوال المتخالفة فيما كلفوا بالإيمان به ، واقتصر بعضهم على كون القول المختلف في أمره صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، والجملة جواب القسم ولعل النكتة في ذلك القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها وتنافي أغراضها بطرائق السماوات في تباعدها واختلاف هيئاتها ، أو الإشارة إلى أنها ليست مستوية جيدة ، أو ليست قوية محكمة ، أوليس فيها ما يزينها بل فيها ما يشينها من التناقض
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ
أي يصرف عن الإيمان بما كلفوا الايمان به لدلالة الكلام السابق عليه ، وقال الحسن وقتادة : عن الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وقال غير واحد : عن القرآن ، والكلام السابق مشعر بكل من صرف الصرف الذي لا أشد منه وأعظم ، ووجه المبالغة من إسناد الفعل إلى من وصف به فلولا غرض المبالغة لكان من توضيح الواضح فكأنه أثبت للمصروف صرف آخر حيث قيل :
يُصْرَفْ عَنْهُ
[ الأنعام : 16 ] المصروف فجاءت المبالغة من المضاعفة ثم الإطلاق في المقام الخطابي له مدخل في تقوية أمر المضاعفة وكذلك الإبهام الذي
هامش
( 1 ) هي أرض ذات حجارة .
( 2 ) هكذا بالتاء الفوقية والظاهر أنها بالباء الموحدة .