تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
رسولنا ، وضمير
فِيهِ
للفرج ، واشتهر أن جبريل عليه السلام نفخ في جيبها فوصل أثر ذلك إلى الفرج . وروي ذلك عن قتادة ، وقال الفراء : ذكر المفسرون أن الفرج جيب درعها وهو محتمل لأن الفرج معناه في اللغة كل فرجة بين الشيئين ، وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج ، وهذا أبلغ في الثناء عليها لأنها إذا منعت جيب درعها فهي للنفس أمنع ، وفي مجمع البيان عن الفراء أن المراد منعت جيب درعها عن جبريل عليه السلام ، وكان ذلك على ما قيل : قولها
إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
[ مريم : 18 ] وأفاد كلام البعض أن أحصنت فرجها على ما نقل أولا عن الفراء كناية عن العفة نحو قولهم : هو نقي الجيب طاهر الذيل . وجوز في ضمير
فِيهِ
رجوعه إلى الحمل ، وهو عيسى عليه السلام المشعر به الكلام ، وقرأ عبد اللّه - فيها - كما في الأنبياء ، فالضمير لمريم ، والإضافة في قولها تعالى :
مِنْ رُوحِنا
للتشريف ، والمراد من روح خلقناه بلا توسط أصل ، وقيل : لأدنى ملابسة وليس بذاك
وَصَدَّقَتْ
آمنت
بِكَلِماتِ رَبِّها
بصحفه عزّ وجل المنزلة على إدريس عليه السلام وغيره ، وسماها سبحانه كلمات لقصرها
وَكُتُبِهِ
بجميع كتبه والمراد به ما عدا الصحف مما في طول ، أو التوراة والإنجيل والزبور ، وعد المصحف من ذلك وإيمانها به ولم يكن منزلا بعد كالإيمان بالنبي الموعود عليه الصلاة والسلام فقد كان صلّى اللّه تعالى عليه وسلم مذكورا بكتابه في الكتب الثلاث ، وتفسير الكلمات والكتب بذلك هو ما اختاره جمع ، وجوز غير واحد أن يراد بالكلمات ما أوحاه اللّه تعالى إلى أنبيائه عليهم السلام ، وبالكتب ما عرف فيها مما يشمل الصحف وغيرها ، وقيل : جميع ما كتب مما يشمل اللوح وغيره ، وأن يراد بالكلمات وعده تعالى ووعيده أو ذلك وأمره عزّ وجل ونهيه سبحانه ، وبالكتب أحد الأوجه السابقة ، وإرادة كلامه تعالى القديم القائم بذاته سبحانه من الكلمات بعيد جدا ، وقرأ يعقوب وأبو مجلز وقتادة عصمة عن عاصم « صدقت » بالتخفيف ، ويرجع إلى معنى المشدد ؛ وفي البحر أي كانت صادقة بما أخبرت به من أمر عيسى وما أظهره اللّه تعالى لها من الكرامات وفيه قصور لا يخفى . وقرأ الحسن ومجاهد والجحدري - بكلمة - على التوحيد فاحتمل أن يكون اسم جنس ، وأن يكون عبارة عن كلمة التوحيد ، وأن يكون عبارة عن عيسى عليه السلام فقد أطلق عليه السلام أنه كلمة اللّه ألقاها إلى مريم ، وقد مر شرح ذلك ، وقرأ غير واحد من السبعة - وكتابه - على الإفراد فاحتمل أن يراد به الجنس وأن يراد به الإنجيل لا سيما إن فسرت الكلمة بعيسى عليه السلام ، وقرأ أبو رجاء « وكتبه » بسكون التاء على ما قال ابن عطية ، وبه وبفتح الكاف على أنه مصدر أقيم الاسم على ما قال صاحب اللوامح .
وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ
أي من عداد المواظبين على الطاعة - فمن - للتبعيض ، والتذكير للتغليب ، والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال حتى عدت من جملتهم فهو أبلغ من قولنا : وكانت من القانتات ، أو قانتة ، وقيل :
مِنْ
لابتداء الغاية ، والمراد كانت من نسل القانتين لأنها من أعقاب هارون أخي موسى عليهما السلام ، ومدحها بذلك لما أن الغالب أن الفرع تابع لأصله
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً
[ الأعراف : 58 ] وهي على ما في بعض الأخبار سيدة النساء ومن أكملهن ، روى أحمد في مسنده : سيدة نساء أهل الجنة مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية ثم عائشة ، وفي الصحيح كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع : آسية بنت مزاحم امرأة فرعون ومريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلّى اللّه تعالى عليه وسلم وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام وخص الثريد - وهو خبز يجعل في مرق وعليه لحم -