تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
يبيت يجافي جنبه عن فراشه * إذا رقدت بالكافرين المضاجع
فقالت : زدني ، فأنشد :
شهدت بأن وعد اللّه حق * وأن النار مثوى الكافرينا
وأن محمدا يدعو بحق * وأن اللّه مولى المؤمنينا
وأن العرش فوق الماء طاف * وفوق العرش رب العالمينا
ويحمله ملائكة شداد * ملائكة الإله مسومينا
فقالت : أما إذ قرأت القرآن فقد صدقتك ، وفي رواية أنها قالت - وقد كانت رأته على ما تكره - إذن صدق اللّه وكذب بصري ، فأخبر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم فتبسم ، وقال : « خيركم خيركم لنسائه »
إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ
خطاب لحفصة وعائشة رضي اللّه تعالى عنهما على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب للمبالغة في المعاتبة فإن المبالغ في العتاب يصير المعاتب أولا بعيدا عن ساحة الحضور ، ثم إذا اشتد غضبه توجه إليه وعاتبه بما يريد ، وكون الخطاب لهما لما أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن حبان وغيره عن ابن عباس قال : لم أزل حريصا أن أسأل عمر رضي اللّه تعالى عنه عن المرأتين من أزواج النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم اللتين قال اللّه تعالى :
إِنْ تَتُوبا
إلخ حتى حج عمر وحججت معه فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فنزل ثم إني صببت على يديه فتوضأ فقلت : يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم اللتان قال اللّه تعالى :
إِنْ تَتُوبا
إلخ ؟ فقال : وا عجبا لك يا ابن عباس هما عائشة وحفصة ثم أنشأ يحدثني الحديث الحديث بطوله ، ومعنى قوله تعالى :
فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
مالت عن الواجب من مخالفته صلى اللّه تعالى عليه وسلم بحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه إلى مخالفته ، والجملة قائمة مقام جواب الشرط بعد حذفه . والتقدير إن تتوبا فلتوبتكما موجب وسبب
فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
أو فحق لكما ذلك فقد صدر ما يقتضيها وهو على معنى فقد ظهر أن ذلك حق كما قيل في قوله : إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة من أنه بتأويل تبين أني لم تلدني لئيمة ، وجعلها ابن الحاجب جوابا من حيث الإعلام كما قيل في : إن تكرمني اليوم فقد أكرمتك أمس ، وقيل : الجواب محذوف تقديره يمح إثمكما ، وقوله تعالى :
فَقَدْ صَغَتْ
إلخ بيان لسبب التوبة ، وقيل : التقدير فقد أديتما ما يجب عليكما أو أتيتما بما يحق لكما ، وما ذكر دليل على ذلك قيل : وإنما لم يفسروا
فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
بمالت إلى الواجب أو الحق أو الخبر حتى يصح جعله جوابا من غير احتياج إلى نحو ما تقدم لأن صيغة الماضي - وقد - وقراءة ابن مسعود - فقد زاغت قلوبكما - وتكثير المعنى مع تقليل اللفظ تقتضي ما سلف ، وتعقب بأنه إنما يتمشى على ما ذهب إليه ابن مالك من أن الجواب يكون ماضيا وإن لم يكن لفظ كان ، فيه نظر ، والجمع في
قُلُوبُكُما
دون التثنية لكراهة اجتماع تثنيتين مع ظهور المراد وهو في مثل ذلك أكثر استعمالا من التثنية والإفراد ، قال أبو حيان : لا يجوز عند أصحابنا إلا في الشعر كقوله : حمامة بطن الواديين ترنمي وغلط رحمه اللّه تعالى ابن مالك في قوله في التسهيل : ويختار لفظ الإفراد على لفظ التثنية
وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ
بحذف إحدى التاءين وتخفيف الظاء ، وهي قراءة عاصم ونافع في رواية ، وطلحة والحسن وأبي رجاء ، وقرأ الجمهور - تظاهرا - بتشديد الظاء ، وأصله تتظاهرا فأدغمت التاء في الظاء ، وبالأصل قرأ عكرمة ، وقرأ أبو عمرو في