تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
الآية والذي رواه ابن مردويه من طريق أبي الزبير عنه وحكي عن السدي . وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال : بلغنا أن قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ
الآية نزل في عبد اللّه بن عمرو بن العاص وطفيل بن الحارث وعمرو بن سعيد بن العاص ، وقال بعضهم : فعله ناس منهم ابن عمرو بن العاص . وعتبة بن غزوان فنزلت الآية ، وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين أنها نزلت في حفصة بنت عمر طلقها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم واحدة فنزلت إلى قوله تعالى :
يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً
فراجعها عليه الصلاة والسلام ، ورواه قتادة عن أنس ، وقال القرطبي نقلا عن علماء الحديث : إن الأصح أنها نزلت ابتداء لبيان حكم شرعي ، وكل ما ذكر من أسباب النزول لها لم يصح ، وحكى أبو حيان نحوه عن الحافظ أبي بكر بن العربي ، وظاهرها أن نفس الطلاق مباح ، واستدل له أيضا بما رواه أبو داود وابن ماجة عنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه قال : « إن من أبغض المباحات عند اللّه عزّ وجل الطلاق » و في لفظ « أبغض الحلال إلى اللّه الطلاق » لوصفه بالإباحة والحل لأن أفعل بعض ما يضاف إليه ، والمراد من كونه مبغوضا التنفير عنه أو كونه كذلك من حيث إنه يؤدي إلى قطع الوصلة وحل قيد العصمة لا من حيث حقيقته في نفسه . وقال البيهقي : البغض على إيقاعه كل وقت من غير رعاية لوقته المسنون ، وبطلاقه صلّى اللّه عليه وسلم حفصة ثم أمره تعالى إياه أن يراجعها فإنها صوامة قوامة ، وقال غير واحد : هو محظور لما فيه من كفران نعمة النكاح ، ولقوله عليه الصلاة والسلام : « لعن اللّه كل مذواق مطلاق » وإنما أبيح للحاجة ، قال ابن الهمام : وهذا هو الأصح فيكره إذا لم يكن حاجة ، ويحمل لفظ المباح على ما أبيح في بعض الأوقات أعني أوقات تحقق الحاجة المبيحة وهو ظاهر في رواية لأبي داود - ما أحل اللّه تعالى شيئا أبغض إليه من الطلاق - فإن الفعل لا عموم له في الأزمان ، ومن الحاجة الكبر وعدم اشتهائه جماعها بحيث يعجز أو يتضرر بإكراهه نفسه عليه وهي لا ترضى بترك ذلك ، وما روي عن الحسن - وكان قيل له في كثرة تزوجه وطلاقه من قوله : أحب الغنى - قال اللّه سبحانه :
وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ
[ النساء : 130 ] فهو رأي منه إن كان على ظاهره ، وكل ما نقل من طلاق الصحابة - كطلاق المغيرة بن شعبة الزوجات الأربع دفعة - فقد قال لهن : أنتن حسنات الأخلاق ناعمات الأطواق طويلات الأعناق اذهبن فأنتن طلاق فمحمله وجود الحاجة ، وإن لم يصرح بها ، وقال ابن حجر : هو إما واجب كطلاق مول لم يرد الوطء وحكمين رأياه ، أو مندوب كأن يعجز عن القيام بحقوقها ولو لعدم الميل إليها ، أو تكون غير عفيفة ما لم يخش الفجور بها ، ومن ثم أمر صلى اللّه تعالى عليه وسلم من قال : « إن زوجتي لا ترد يد لامس » أي لا تمنع من يريد الفجور بها على أحد أقوال من معناه بإمساكها خشية من ذلك ، ويلحق بخشية الفجور بها حصول مشقة له بفراقها تؤدي إلى مبيح تيمم ، وكون مقامها عنده أمنع لفجورها فيما يظهر فيهما ، أو سيئة الخلق أي بحيث لا يصبر على عشرتها عادة فيما يظهر ، وإلا فغير سيئة الخلق كالغراب الأعصم أو يأمره به أحد والديه أي من غير تعنت كما هو شأن الحمقى من الآباء والأمهات ، ومع عدم خوف فتنة أو مشقة بطلاقها فيما يظهر ، أو حرام كالبدعي ، أو مكروه بأن سلم الحال عن ذلك كله للخبر الصحيح « ليس شيء من الحلال أبغض إلى اللّه من الطلاق » ولدلالته على زيادة التنفير عنه قالوا : ليس فيه مباح لكن صوره الإمام بما إذا لم يشتهها أي شهوة كاملة ولا تسمح نفسه بمؤنتها من غير تمتع اه . والآية على ما لا يخفى على المنصف لا تدل على أكثر من حرمته في الحيض ، والمراد بالنساء فيها المدخول بهن من المعتدات بالحيض على ما في الكشاف ، وغيره لمكان قوله سبحانه :
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ
.
وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ
واضبطوها وأكملوها ثلاثة قروء كوامل ، وأصل معنى الإحصاء العد بالحصى كما كان معتادا قديما ثم صار حقيقة فيما ذكر
وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ
في تطويل العدة عليهن والإضرار بهن ، وفي وصفه تعالى