يضرب عنق هذا المنافق ، فقال صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ذلك
، وفي الآية من الدلالة على شرف المؤمنين ما فيها ، ومن هنا قالت بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة : ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر معه .
و
عن الحسن بن علي على رسول اللّه وعليهما الصلاة والسلام أن رجلا قال له : إن الناس يزعمون أن فيك تيها قال : ليس بتية ولكنه عزة وتلا هذه الآية ، وأريد بالتيه الكبر
، وأشار العز إلى أن العزة غير الكبر ، وقد نص على ذلك أبو حفص السهروردي قدس سره فقال : العزة غير الكبر لأن العزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه وإكرامها أن لا يضعها لأقسام عاجلة كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه وإنزالها فوق منزلتها فالعزة ضد الذلة كما أن الكبر ضد التواضع ، وفسر الراغب العزة بحالة مانعة للإنسان من أن يغلب من قولهم : أرض عزاز أي صلبة وتعزز اللحم اشتد كأنه حصل في عزاز يصعب الوصول إليه ، وقد تستعار للحمية والأنفة المذمومة وهي بهذا المعنى تثبت للكفرة ، وتفسيرها بالقوة والغلبة كما سمعت شائع ولك أن تريد بها هنا الحالة المانعة من المغلوبية فإنها أيضا ثابتة للّه تعالى ولرسوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلم وللمؤمنين على الوجه اللائق بكل .
وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ
من فرط جهلهم وغرورهم فيهذون ما يهذون والفعل هنا منزل منزلة اللازم فلذا لم يقدر له مفعول ولا كذلك الفعل فيما تقدم ، وهو ما اختاره غير واحد من الأجلة ، وقيل في وجهه : إن كون العزة للّه عزّ وجل مستلزم لكون الأرزاق بيده دون العكس فناسب أن يعتبر الأخلاق في الجملة المذيلة لما يفيد كون العزة له سبحانه قصدا للمبالغة والتقييد للجملة المذيلة لما يفيد كون الأرزاق بيده تعالى ، ثم قيل : خص الجملة الأولى ب
لا يَفْقَهُونَ
والثانية ب
لا يَعْلَمُونَ
لأن إثبات الفقه للإنسان أبلغ من إثبات العلم له فيكون نفي العلم أبلغ من نفي الفقه فأوتر ما هو أبلغ لما هو أدعى له .
وعن الراغب معنى قوله تعالى :
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا
إلخ أنهم يأمرون بالإضرار بالمؤمنين وحبس النفقات عنهم ولا يفطنون أنهم إذا فعلوا ذلك أضروا بأنفسهم فهم لا يفقهون ذلك ولا يفطنون له ، ومعنى الثاني إيعادهم بإخراج الأعز للأذل ، وعندهم أن الأعز من له القوة والغلبة على ما كانوا عليه في الجاهلية فهم لا يعلمون أن هذه القدرة التي يفضل بها الإنسان غيره إنما هي من اللّه تعالى فهي له سبحانه ولمن يخصه بها من عباده ، ولا يعلمون أن الذل لمن يقدرون فيه العزة وأن اللّه تعالى معزّ أوليائه بطاعتهم له ومذل أعدائه بمخالفتهم أمره عزّ وجل ، فقد اختص كل آية بما اقتضاه معناها فتدبر ، والإظهار في مقام الإضمار لزيادة الذم مع الإشارة إلى علة الحكم في الموضعين .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
أي لا يشغلكم الاهتمام بتدبير أمورها والاعتناء بمصالحها والتمتع بها عن الاشتغال بذكر اللّه عزّ وجل من الصلاة وسائر العبادات المذكرة للمعبود الحق جل شأنه فذكر اللّه تعالى مجاز عن مطلق العبادة كما يقتضيه كلام الحسن وجماعة ، والعلاقة السببية لأن العبادة سبب لذكره سبحانه وهو المقصود في الحقيقة منها .
وفي رواية عن الحسن أن المراد به جميع الفرائض ، وقال الضحاك وعطاء : الذكر هنا الصلاة المكتوبة ، وقال الكلبي : الجهاد مع الرسول صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ، وقيل : القرآن ، والعموم أولى ، ويفهم كلام الكشاف أن المراد بالأموال والأولاد الدنيا ، وعبر بهما عنها لكونهما أرغب الأشياء منها قال اللّه تعالى :
الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا
[ الكهف : 46 ] فإذا أريد بذكر اللّه العموم يؤول المعنى إلى لا تشغلنكم الدنيا عن الدين ؛ والمراد بنهي الأموال وما بعدها نهي المخاطبين وإنما وجه إليها للمبالغة لأنها لقوة تسببها للّهو وشدة مدخليتها فيه جعلت كأنها لاهية ، وقد