تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
يدعو عليهم بذلك فهو على معنى قولوا : قاتلهم اللّه ، وجوز أن لا يكونوا من الطلب في شيء بأن يكون المراد أن وقوع اللعن بهم مقرر لا بد منه ، وذكر بعضهم أن قاتله اللّه كلمة ذم وتوبيخ ، وتستعملها العرب في موضع التعجب من غير قصد إلى لعن ، والمشهور تعقيبها بالتعجب نحو قاتله اللّه ما أشعره ، وكذا قوله سبحانه هنا :
قاتَلَهُمُ اللَّهُ
.
أَنَّى يُؤْفَكُونَ
وهذا تعجيب من حالهم ، أي كيف يصرفون عن الحق إلى ما هم عليه من الكفر والضلال ؟ فأنى ظرف متضمن للاستفهام معمول لما بعده ، وجوز ابن عطية كونه ظرفا - لقاتلهم - وليس هناك استفهام ، وتعقبه أبو حيان بأن
أَنَّى
لا تكون لمجرد الظرفية أصلا ، فالقول بذلك باطل .

[ سورة المنافقون ( 63 ) : الآيات 5 إلى 11 ]

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ( 5 ) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 6 ) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ( 7 ) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 8 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 9 ) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 10 ) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 11 )
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ
أي عطفوها وهو كناية عن التكبر والإعراض على ما قيل ؛ وقيل : هو على حقيقته أي حركوها استهزاء ، وأخرجه ابن المنذر عن ابن جريج
وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ
يعرضون عن القائل أو عن الاستغفار
وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
عن ذلك . روي أنه لما صدق اللّه تعالى زيد بن أرقم فيما أخبر به عن ابن أبيّ مقت الناس ابن أبيّ ولامه المؤمنون من قومه ، وقال بعضهم له : امض إلى رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم واعترف بذنبك يستغفر لك فلوى رأسه إنكارا لهذا الرأي ، وقال لهم : لقد أشرتم علي بالإيمان فآمنت ، وأشرتم علي بأن أعطي زكاة مالي ففعلت ، ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ، وفي حديث أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن جبير أن رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم قال له : « تب » فجعل يلوي رأسه فأنزل اللّه تعالى
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ
إلخ ، وفي حديث أخرجه الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم عن زيد بعد نقل القصة إلى أن قال : حتى أنزل اللّه تعالى تصديقي في
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ
ما نصه فدعاهم رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم ، فجمع الضمائر : إما على ظاهره ، وإما من باب بنو تميم قتلوا فلانا ، وإذا على ما مر ، و
يَسْتَغْفِرْ
مجزوم في جواب الأمر ، و
رَسُولُ اللَّهِ
فاعل له ، والكلام على ما في البحر من باب الأعمال لأن
رَسُولُ اللَّهِ
يطلبه عاملان :
يَسْتَغْفِرْ
و
تَعالَوْا
فأعمل الثاني على المختار عند أهل البصرة ولو أعمل الأول لكان التركيب تعالوا يستغفر لكم إلى رسول اللّه ، وجملة
يَصُدُّونَ
في موضع الحال ، وأتت بالمضارع ليدل على الاستمرار التجددي ، ومثلها في الحالية جملة
هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
؛ وقرأ مجاهد ونافع وأهل المدينة وأبو حيوة وابن أبي عبلة