تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
ذلك المقررون لأن المتبادر من إتيان الرسول قوما مجيئه إياهم مع عدم تبليغ غيره إياهم ما أتى به من قبله وذلك لم يحصل للمقرر شرع من قبله كما لا يخفى ، وعن الاستشكال بآدم عليه السلام بأن المراد - ما أتى الذين من قبلهم من الأمم الذين كانوا موجودين على نحو وجود هؤلاء رسول إلا قالوا - إلخ ، وآدم عليه السلام لم يأت أمة كذلك إذ لم يكن في حين أرسل إلا زوجته حواء ، ولعله أولى مما قيل : إن المراد من رسول من بني آدم فلا يدخل هو عليه السلام في ذلك ، واستشكلت أيضا بأن
إِلَّا قالُوا
يدل على أنهم كلهم كذبوا مع أنه ما من رسول إلا آمن به قوم ، وأجاب الإمام بأن إسناد القول إلى ضمير الجمع على إرادة الكثير بل الأكثر ، وذكر المكذب فقط لأنه الأوفق بغرض التسلية ، وأخذ منه بعضهم الجواب عن الاستشكال السابق فقال : الحكم باعتبار الغالب لا أن كل أمة من الأمم أتاها رسول فكذبته ليرد آدم والمقررون حيث لم يكذبوا - وفيه ما فيه - وحمل بعضهم الذين من قبلهم على الكفار ودفع به الاستشكالين - وفيه ما لا يخفى - فتأمل جميع ذلك ولا تظن انحصار الجواب فيما سمعت فأمعن النظر واللّه تعالى الهادي لأحسن المسالك
أَ تَواصَوْا بِهِ
تعجيب من إجماعهم على تلك الكلمة الشنيعة أي كأن الأولين والآخرين منهم أوصى بعضهم بعضا بهذا القول حتى قالوه جميعا ، وقيل : إنكار للتواصي أي ما تواصوا به .
بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ
إضراب عن أن التواصي جامعهم إلى أن الجامع لهم على ذلك القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه .

[ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 54 إلى 60 ]

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ( 59 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 60 )
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ
فأعرض عن جدالهم فقد كررت عليهم الدعوة ولم تأل جهدا في البيان فأبوا إلا إباء وعنادا
فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ
على التولي بعد ما بذلت الجهود وجاوزت في الإبلاغ كل حد معهود .
وَذَكِّرْ
آدم على فعل التذكير والموعظة ولا تدع ذلك ؛ فالأمر بالتذكير للدوام عليه والفعل منزل منزلة اللازم ، وجوز أن يكون المفعول محذوفا أي فذكرهم وحذف لظهور الأمر .
فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
أي الذين قدر اللّه تعالى إيمانهم ، أو المؤمنين بالفعل فإنها تزيدهم بصيرة وقوة في اليقين ، وفي البحر يدل ظاهر الآية على الموادعة وهي منسوخة بآية السيف ، وأخرج أبو داود في ناسخه ، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله تعالى :
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ
إلخ ، وقال : أمره اللّه تعالى أن يتولى عنهم ليعذبهم وعذر محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم ثم قال سبحانه :
وَذَكِّرْ
إلخ فنسختها . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب . والضياء في المختارة وجماعة من طريق مجاهد عن علي كرم اللّه تعالى وجهه قال : لما نزلت
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ
لم يبق منا أحد إلا أيقن بالهلكة إذ أمر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أن يتولى عنا فنزلت
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
فطابت أنفسنا ، وعن قتادة أنهم ظنوا أن الوحي قد انقطع وأن العذاب قد حضر فأنزل اللّه تعالى
وَذَكِّرْ
إلخ .
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
استئناف مؤكد للأمر مقرر لمضمون تعليله فإن خلقهم لما ذكر سبحانه وتعالى مما يدعوه صلى اللّه تعالى عليه وسلم إلى تذكيرهم ويوجب عليهم التذكر والاتعاظ ، ولعل تقديم