أي تراجعك الكلام في شأنه وفيما صدر عنه في حقها من الظهار ، وقرئ - تحاورك - والمعنى على ما تقدم وتحاولك أي تسائلك
وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ
عطف على
تُجادِلُكَ
فلا محل للجملة من الإعراب ، وجوز كونها حالا أي تجادلك شاكية حالها إلى اللّه تعالى ، وفيه بعد معنى ، ومع هذا يقدر معها مبتدأ أي وهي تشتكي لأن المضارعية لا تقترن بالواو في الفصيح فيقدر معها المبتدأ لتكون اسمية ، واشتكاؤها إليه تعالى إظهار بثها وما انطوت عليه من الغم والهم وتضرعها إليه عزّ وجل وهو من الشكو ، وأصله فتح الشكوة وإظهار ما فيها ، وهي سقاء صغير يجعل فيه الماء ثم شاع في ذلك ، وهي امرأة صحابية من الأنصار اختلف في اسمها واسم أبيها ، فقيل : خولة بنت ثعلبة بن مالك ، وقيل : بنت خويلد ، وقيل : بنت حكيم ، وقيل : بنت الصامت ، وقيل : خويلة بالتصغير بنت ثعلبة ، وقيل : بنت مالك بن ثعلبة ، وقيل : جميلة بنت الصامت ، وقيل : غير ذلك ، والأكثرون على أنها خولة بنت ثعلبة بن مالك الخزرجية ، وأكثر الرواة على أن الزوج في هذه النازلة أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت ، وقيل : هو سلمة بن صخر الأنصاري ، والحق أن لهذا قصة أخرى ،
والآية نزلت في خولة وزوجها أوس ، وذلك أن زوجها أوسا كان شيخا كبيرا قد ساء خلقه فدخل عليها يوما فراجعته بشيء فغضب ، قال : أنت علي كظهر أمي ، وكان الرجل في الجاهلية إذا قال ذلك لامرأته حرمت عليه - وكان هذا أول ظهار في الإسلام - فندم من ساعته فدعاها فأبت ، وقالت : والذي نفس خولة بيده لا تصل إليّ وقد قلت ما قلت حتى يحكم اللّه ورسوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم فينا ، فأتت رسول اللّه عليه الصلاة والسلام فقالت : يا رسول اللّه إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في فلما خلا سني ونثرت بطني - أي كثر ولدي - جعلني عليه كأمه وتركني إلى غير أحد فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول اللّه تنعشني بها وإياه فحدثني بها ؟
فقال عليه الصلاة والسلام : « واللّه ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن » ، وفي رواية « ما أراك إلا قد حرمت عليه » قالت :
ما ذكر طلاقا ، وجادلت رسول اللّه عليه الصلاة والسلام مرارا ثم قالت : اللهم إني أشكو إليك شدة وحدتي وما يشق علي من فراقه ، وفي رواية قالت : أشكو إلى اللّه تعالى فاقتي وشدة حالي وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا ، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول : اللهم إني أشكو إليك اللهم فأنزل على لسان نبيك وما برحت حتى نزل القرآن فيها ، فقال صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « يا خولة أبشري قالت : خيرا ؟ فقرأ عليه الصلاة والسلام عليها
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ
الآيات »
وكان عمر رضي اللّه تعالى عنه يكرمها إذا دخلت عليه ويقول : قد سمع اللّه تعالى لها .
وروى ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات أنها لقيته رضي اللّه تعالى عنه وهو يسير مع الناس فاستوقفته فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها ووضع يده على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت ، فقال له رجل : يا أمير المؤمنين حبست رجال قريش على هذه العجوز قال : ويحك أتدري من هذه ؟ قال : لا . قال : هذه امرأة سمع اللّه تعالى شكواها من فوق سبع سماوات هذه خولة بنت ثعلبة ، واللّه لو لم تنصرف حتى أتى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها ، وفي رواية للبخاري في تاريخه أنها قالت له : قف يا عمر فوقف فأغلظت له القول ، فقال رجل : يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم فقال رضي اللّه تعالى عنه : وما يمنعني أن أستمع إليها وهي التي استمع اللّه تعالى لها فأنزل فيها ما أنزل
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ
الآيات ، والسماع مجاز عن القبول والإجابة بعلاقة السببية أو كناية عن ذلك ، و
قَدْ
للتحقيق أو للتوقع ، وهو مصروف إلى تفريج الكرب لا إلى السمع لأنه محقق أو إلى السمع لأنه مجاز أو كناية عن القبول ، والمراد توقع المخاطب ذلك ، وقد كان صلّى اللّه عليه وسلم يتوقع أن ينزل اللّه تعالى حكم الحادثة ويفرج عن المجادلة كربها ، وفي الأخبار ما يشعر بذلك والسمع في قوله تعالى :
وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما
على ما هو المعروف فيه من