تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
وقال صاحب جامع الأصول : الابتداع من المخلوقين إن كان في خلاف ما أمر اللّه تعالى به ورسوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار وإن كان واقعا تحت عموم ما ندب اللّه تعالى إليه وحض عليه أو رسوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم فهو في حيز المدح وإن لم يكن مثاله موجودا كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف ، ويعضد ذلك قول عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه في صلاة التراويح : نعمت البدعة هذه
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
استظهر أبو حيان كون الخطاب لمن آمن من أمته صلى اللّه تعالى عليه وسلم غير أهل الكتاب والآثار تؤيد ذلك ، أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قالا : إن أربعين من أصحاب النجاشي قدموا على النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم فشهدوا معه أحدا فكانت فيهم جراحات ولم يقتل منهم أحد فلما رأوا ما بالمؤمنين من الحاجة قالوا : يا رسول اللّه إنّا أهل ميسرة فأذن لنا نجيء بأموالنا نواسي بها المسلمين فأنزل اللّه تعالى فيهم
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ
إلى قوله سبحانه :
أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا
[ القصص : 52 - 54 ] فجعل لهم أجرين فلما نزلت هذه الآية قالوا : يا معشر المسلمين أما من آمن منا بكتابكم فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم فأنزل اللّه تعالى
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
الآية أي أي رادا عليهم قولهم : ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم . وفي الكشاف إن قائل ذلك من لم يكن آمن من أهل الكتاب قالوه حين سمعوا تلك الآية يفخرون به على المسلمين ، والمعنى يا أيها الذين اتصفوا بالإيمان
اتَّقُوا اللَّهَ
اثبتوا على تقواه عزّ وجل فيما نهاكم عنه .
وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ
وأثبتوا على الإيمان برسوله الذي أرسله إليكم وهو محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وفي التعبير عنه بذلك ما لا يخفى من الدلالة على جلالة قدره عليه الصلاة والسلام
يُؤْتِكُمْ
بسبب ذلك .
كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ
قال أبو موسى الأشعري : ضعفين بلسان الحبشة ، وقال غير واحد : نصيبين ، والمراد إيتاؤهم أجرين كمؤمني أهل الكتاب كأنه قيل : يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الأجرين لأنكم مثلهم في الإيمان بالرسل المتقدمين وبخاتمهم صلى اللّه تعالى عليه وسلم عليهم أجمعين لا تفرقوا بين أحد من رسله . وقال الراغب : الكفل الحظ الذي فيه الكفاية كأنه تكفل بأمره ، والكفلان هما المرغوب فيهما بقوله تعالى
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً
[ البقرة : 201 ] ولا دلالة على التخصيص .
وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ
يوم القيامة وهو النور المذكور في قوله تعالى :
يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ
[ الحديد : 12 ]
وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ما سلف منكم
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أي مبالغ في المغفرة والرحمة فلا بدع إذا فعل سبحانه ما فعل ، وقوله تعالى :
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
قيل : متعلق بمضمون الجملة الطلبية المتضمنة لمعنى الشرط إذ التقدير إن تتقوا اللّه وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا لئلا إلخ ، وقيل : متعلق بالأفعال الثلاثة قبله على التنازع ، أو بمقدر كفعل ذلك وأعلمهم ونحوه و ( لا ) مزيدة مثلها في قوله تعالى :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ
[ الأعراف : 12 ] ويجوز زيادتها مع القرينة كثيرا و ( أن ) مخففة من الثقيلة واسمها المحذوف ضمير أهل الكتاب أي إنهم ، وقيل : ضمير الشأن وما بعد خبرها والجملة في حيز النصب على أنها مفعول يعلم أي ليعلم أهل الكتاب القائلون من آمن بكتابكم منا فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم أنهم لا ينالون شيئا من فضل اللّه من الأجرين وغيرهما ولا يتمكنون من نيله ما لم يؤمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم وحاصله الإعلام بأن إيمانهم بنبيهم لا ينفعهم شيئا ما لم يؤمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام فقولهم : من لم يؤمن بكتابكم فله أجر باطل . وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال : لما نزلت
أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا
[ القصص :