تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
أصلحت أمرك لا يريد به أحدا بعينه ، وإنما يريد أيها المسكين السامع وهو كما ترى ، نعم احتمال عموم الخطاب مما لا ينكر لكن لا يتعين عليه هذا التقرير ، ثم الظاهر أن المراد بذكر الرب أو ذكر اسمه سبحانه على ما تقرر سابقا ما هو المتبادر المعروف . وفي الكشف إن المراد بذلك تلاوته صلى اللّه تعالى عليه وسلم للقرآن أو لهذه السورة الكريمة المتضمنة لإثبات البعث والجزاء ومراتب أهله لينطبق عليه قوله تعالى بعد :
فَلا أُقْسِمُ
وعلى الأول لا بد من إضمار - أي فسبح باسم ربك وامتثل ما أمرت به - فأقسم إنه لقرآن ، والغرض تأكيد الأمر بالتسبيح ، وأنا أقول يتأتى الانطباق على الظاهر أيضا سوى أنه يعتبر في الكلام إضمار ولا بأس بأن يقال : إنه تعالى لما ذكر ما ذكر من النعم الجليلة الداعية لتوحيده سبحانه ووصفه بما يليق به عزّ وجل قال سبحانه :
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ
أي فنزهه تعالى عما يقولون في وصفه سبحانه ، وأقبل على إنذارهم بالقرآن والاحتجاج عليه به بعد الاحتجاج بما ذكرنا فأقسم إنه لقرآن كيت وكيت فلا في قوله عزّ وجل :
فَلا أُقْسِمُ
مزيدة للتأكيد مثلها في قوله تعالى :
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ
[ الحديد : 29 ] أو هي لام القسم أشبعت فتحتها فتولدت منها ألف نظير ما في قوله : أعوذ باللّه من العقراب واختاره أبو حيان ثم قال : وهو وإن كان قليلا فقد جاء نظيره في قوله تعالى :
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ
[ إبراهيم : 37 ] بياء بعد الهمزة وذلك في قراءة هشام . ويؤيد قراءة الحسن وعيسى فلا قسم - وهو مبني على ما ذهب إليه تبعا لبعض النحويين من أن فعل الحال يجوز القسم عليه فيقال : واللّه تعالى ليخرج زيد وعليه قول الشاعر : ليعلم ربي أن بيتي واسع وحينئذ لا يصح أن يقرن الفعل بالنون المؤكدة لأنها تخلصه للاستقبال وهو خلاف المراد ، والذي اختاره ابن عصفور والبصريون أن فعل الحال كما هنا لا يجوز أن يقسم عليه ومتى أريد من الفعل الاستقبال لزمت فيه النون المؤكدة فقيل : لأقسمن وحذفها ضعيف جدا ، ومن هنا خرجوا قراءة الحسن وعيسى على أن اللام لام الابتداء والمبتدأ محذوف لأنها لا تدخل على الفعل والتقدير فلأنا أقسم ، وقيل : نحوه في قراءة الجمهور على أن الألف قد تولدت من الإشباع ، وتعقب بأن المبتدأ إذ دخل عليه لام الابتداء يمتنع أو يقبح حذفه لأن دخولها لتأكيده وهو يقتضي الاعتناء به وحذفه يدل على خلافه ، وقال سعيد بن جبير وبعض النحاة : - لا - نفي وردّ لما يقوله الكفار في القرآن من أنه سحر وشعر وكهانة كأنه قيل : فلا صحة لما يقولون فيه ثم استؤنف فقيل :
أُقْسِمُ
إلخ ، وتعقبه أبو حيان بأنه لا يجوز لما فيه من حذف اسم - لا - وخبرها في غير جواب سؤال نحو - لا - في جواب هل من رجل في الدار ، وقيل : الأولى فيما إذا قصد بلا نفي لمحذوف واستئناف لما بعدها في اللفظ الإتيان بالواو نحو - لا - وأطال اللّه تعالى بقاءك ، وقال : بعضهم إن - لا - كثيرا ما يؤتى بها قبل القسم على نحو الاستفتاح كما في قوله :
لا وأبيك ابنة العامريّ * لا يدّعي القوم أني أفرّ
وقال أبو مسلم وجمع : إن الكلام على ظاهره المتبادر منه ، والمعنى لا أقسم إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أي لا يحتاج إلى قسم ما فضلا عن أن هذا القسم العظيم ، فقول مفتي الديار الرومية أنه يأباه تعيين المقسم به وتفخيمه ناشئ عن الغفلة على ما لا يخفى على فطن
بِمَواقِعِ النُّجُومِ
أي بمساقط كواكب السماء ومغاربها