ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ
خبر مبتدأ محذوف أي هم ثلة ، أو خبر ثان لهم المقدر مبتدأ مع
فِي سِدْرٍ
أو
لِأَصْحابِ الْيَمِينِ
في قوله تعالى :
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ
أو مبتدأ خبره محذوف أي منهم ، أو مبتدأ خبره الجار والمجرور قبله احتمالات اعترض الأخير منها بأن المعنى عليه غير ظاهر ولا طلاوة فيه ، وجعل اللام بمعنى من كما في قوله :
ونحن لكم يوم القيامة أفضل لا يخفى حاله - والأولون والآخرون - المتقدمون والمتأخرون إما من الأمم وهذه الأمة ، أو من هذه الأمة فقط على ما سمعت فيما تقدم ، هذا ولم يقل سبحانه في حق أصحاب اليمين - جزاء بما كانوا يعملون - كما قاله عزّ وجل في حق السابقين رمزا إلى أن الفضل في حقهم متمحض كأن عملهم لقصوره عن عمل السابقين لم يعتبر اعتباره . ثم الظاهر أن ما ذكر من حال أصحاب اليمين هو حالهم الذي ينتهون إليه فلا ينافي أن يكون منهم من يعذب لمعاص فعلها ومات غير تائب عنها ثم يدخل الجنة . ولا يمكن أن يقال : إن المؤمن العاصي من أصحاب الشمال لأن صريح أوصافهم الآتية يقتضي أنهم كانوا كافرين ويلزم من جعل هذا قسما على حدة كون القسمة غير مستوفاة فليتأمل ، واللّه تعالى أعلم .
والكلام في قوله تعالى :
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ * فِي سَمُومٍ
على نمط ما سلف في نظيره ، والسموم قال الراغب : الريح الحارة التي تؤثر تأثير السم ، وفي الكشاف حرّ نار ينفذ في المسام والتنوين للتعظيم وكذا في قوله تعالى :
وَحَمِيمٍ
وهو الماء الشديد الحرارة
وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ
أي دخان أسود كما قال ابن عباس وأبو مالك وابن زيد والجمهور وهي على وزن يفعول ، وله نظائر قليلة من الحممة القطعة من الفحم وتسميته ظلّا على التشبيه التهكمي ، وعن ابن عباس أيضا أنه سرادق النار المحيط بأهلها يرتفع من كل ناحية حتى يظلهم ، وقال ابن كيسان : هو من أسماء جهنم فإنها سوداء وكذا كل ما فيها أسود بهيم نعوذ باللّه تعالى منها . وقال ابن بريدة وابن زيد أيضا : هو جبل من النار أسود يفزع أهل النار إلى ذراه فيجدونه أشد شيء ، والجار والمجرور في موضع الصفة - لظل - وكذا قوله سبحانه :
لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ
صفتان له ، وتقديم الصفة الجار والمجرور على الصفة المفردة جائز كما صرح به الرضي وغيره أي لا بارد كسائر الظلال ، ولا نافع لمن يأوي إليه من أذى الحر - وذلك كرمه - فهناك استعارة ، ونفى ذلك ليمحق توهم ما في الظل من الاسترواح إليه وإن وصف أولا بقوله تعالى :
مِنْ يَحْمُومٍ
والمعنى أنه ظل حار ضار إلا أن للنفي شأنا ليس للإثبات . ومن ذلك جاء التهكم والتعريض بأن الذي يستأهل الظل الذي فيه برد وإكرام غير هؤلاء فيكون أشجى لحلوقهم وأشد لتحسرهم ، وقيل : الكرم باعتبار أنه مرضي في بابه ، فالظل الكريم هو المرضي في برده وروحه ، وفيه أنه لا يلائم ما هنا لقوله تعالى :
لا بارِدٍ
وجوز أن يكون ذلك نفيا لكرامة من يستروح