أن الذي يظهر أن التقدير هؤلاء
قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
وأنه عليه السلام قاله في نفسه ، أو لمن كان معه من أتباعه وغلمانه من غير أن يشعرهم بذلك فإنه الأنسب بحاله عليه السلام لأن في خطاب الضيف بنحو ذلك إيحاشا ما ، وطلبه به أن يعرفوه حالهم لعله لا يزيل ذلك . وأيضا لو كان مراده ذلك لكشفوا أحوالهم عند القول المذكور ولم يتصد عليه السلام لمقدمات الضيافة .
فَراغَ إِلى أَهْلِهِ
أي ذهب إليهم على خفية من ضيفه ، نقل أبو عبيدة أنه لا يقال : راغ إلا إذا ذهب على خفية ، وقال : يقال روغ اللقمة إذا غمسها في السمن حتى تروى ، قال ابن المنير : وهو من هذا المعنى لأنها تذهب مغموسة في السمن حتى تخفى ، ومن مقلوب الروغ غور الأرض والجرح لخفائه وسائر مقلوباته قريبة من هذا المعنى ، وقال الراغب : الروغ الميل على سبيل الاحتيال ، ومنه راغ الثعلب ، وراغ فلان إلى فلان مال نحوه لأمر يريده منه بالاحتيال ، ويعلم منه أن لاعتبار قيد الخفية وجها وهو أمر يقتضيه المقام أيضا لأن من يذهب إلى أهله لتدارك الطعام يذهب كذلك غالبا ، وتشعر الفاء بأنه عليه السلام يبادر بالذهاب ولم يمهل وقد ذكروا أن من أدب المضيف أن يبادر بالقرى من غير أن يشعر به الضيف حذرا من أن يمنعه الضيف ، أو يصير منتظرا
فَجاءَ بِعِجْلٍ
هو ولد البقرة كأنه سمي بذلك لتصور عجلته التي تعدم منه إذا صار ثورا
سَمِينٍ
ممتلئ الجسد بالشحم واللحم يقال : سمن - كسمع - سمانة بالفتح وسمنا - كعنب - فهو سامن وسمين ، وكحسن السمين خلقة كذا في القاموس ، وفي البحر يقال : سمن سمنا فهو سمين شذوذا في المصدر ، واسم الفاعل والقياس سمن وسمن ، وقالوا : سامن إذا حدث له السمن انتهى ، والفاء فصيحة أفصحت عن جمل قد حذفت ثقة بدلالة الحال عليها ، وإيذانا بكمال سرعة المجيء بالطعام أي فذبح عجلا فحنذه فجاء به ، وقال بعضهم إنه كان معدا عنده حنيذا قبل مجيئهم لمن يرد عليه من الضيوف فلا حاجة إلى تقدير ما ذكر ، والمشهور اليوم أن الذبح للضيف إذا ورد أبلغ في إكرامه من الإتيان بما هيئ من الطعام قبل وروده ، وكان كما روي عن قتادة عامة ماله عليه السلام البقر ولو كان عنده أطيب لحما منه لأكرمهم به .
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ
بأن وضعه لديهم ، وفيه دليل على أن من إكرام الضيف أن يقدم له أكثر مما يأكل وأن لا يوضع الطعام بموضع ويدعى الضيف إليه
قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ
، قيل : عرض للأكل فإن في ذلك تأنيسا للضيف ، وقيل : إنكار لعدم تعرضهم للأكل ،
وفي بعض الآثار أنهم قالوا : إنا لا نأكل إلا ما أدينا ثمنه فقال عليه السلام : إني لا أبيحه لكم إلا بثمن قالوا : وما هو ؟ قال : أن تسموا اللّه تعالى عند الابتداء وتحمدوه عزّ وجل عند الفراغ فقال بعضهم لبعض : بحق اتخذه اللّه تعالى خليلا
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً
فأضمر في نفسه منهم خوفا لما رأى عليه الصلاة والسلام إعراضهم عن طعامه وظن أن ذلك لشر يريدونه فإن أكل الضيف أمنة ؛ ودليل على انبساط نفسه وللطعام حرمة وذمام والامتناع منه وحشة موجبة لظن الشر . وعن ابن عباس أنه عليه السلام وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب فخاف
قالُوا لا تَخَفْ
إنا رسل اللّه تعالى ، عن يحيى بن شداد مسح جبريل عليه السلام العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه فعرفهم وأمن منهم ، وعلى ما روي عن الحبر أن هذا لمجرد تأمينه عليه السلام ، وقيل : مع تحقيق أنهم ملائكة وعلمهم بما أضمر في نفسه إما باطلاع اللّه تعالى إياهم عليه ، أو اطلاع ملائكته الكرام الكاتبين عليه وإخبارهم به ، أو بظهور أمارته في وجهه الشريف فاستدلوا بذلك على الباطن
وَبَشَّرُوهُ
وفي سورة [ الصافات : 112 ]
وَبَشَّرْناهُ
أي بواسطتهم
بِغُلامٍ
هو عند الجمهور إسحاق بن سارة وهو الحق للتنصيص على أنه المبشر به في سورة هود ، والقصة واحدة ، وقال مجاهد : إسماعيل بن هاجر كما رواه عنه ابن جرير وغيره ولا يكاد يصح
عَلِيمٍ
عند بلوغه واستوائه ، وفيه تبشير بحياته وكانت البشارة بذكر لأنه أسر للنفس وأبهج ، ووصفه بالعلم لأنها الصفة التي